بقلم: صهيب عنجريني

كما حوّلت الحرب كثيراً من السوريين إلى لاجئين، دفعت آخرين إلى البحث عن خيارات أخرى لضمان «مستقبل أطفالهم»، من دون «وصمهم» بصفة «اللجوء». من بين الحلول «الذهبيّة» برز خيار «الجنسيّة بالولادة». وباتت البرازيل واحدة من الوجهات المفضّلة للحوامل السوريات، في «مغامرة» يتطلّب الإعداد لها جهوداً طويلة، وتكلّف ما يراوح بين 15 و20 ألف دولار، قبل الانطلاق في رحلة جويّة تستغرق خمس عشرة ساعة وسطيّاً، وتنطوي على مخاطرة صحيّة في بعض الأحيان.

«كان علينا أن نضمن لطفلنا جنسيّةً ثانية تساعده مستقبلاً في حمل أعباء الجنسيّة السوريّة، ووجدنا الحلّ في البرازيل». بهذه الخُلاصة يوجز أحمد الأسباب التي دفعته وزوجته إلى اختيار البرازيل مسقطاً لرأس ابنهما الرابع. ليست هذه الأسرة سوى واحدة من عديد الأسر السورية التي قررت السفر إلى البرازيل بهدف إنجاب أبنائها في ظروف لاتينيّة «مثاليّة». يصعب الوصول إلى رقمٍ قريب من الدقة، لكنّ المؤكد أن آلاف السوريات الحوامل قصدن خلال السنوات الماضية بلاد «السامبا» بأجنتهنّ، سعياً وراء جنسية برازيلية للمواليد الجدد وإقامة دائمة لذويهم. يقيم أحمد وزوجته في دولة خليجيّة منذ خمسة عشر عاماً، ويُعدّان بذلك من «المحظوظين». لكنّ «المستقبل في الخليج غير مضمون على الإطلاق» وفقاً لما يؤكده الرجل.

«الغايب يعلم الحاضر»
لا يقتصر الأمر على المقيمات خارج البلاد، بل إنّ عدد اللواتي غادرن سوريا إلى البرازيل يفوق، على الأرجح، عدد نظيراتهن المقيمات خارجاً. تسكن ميساء (اسم مستعار) وزوجها في دمشق، وبرغم فرص السفر التي أتيحت لهما منذ بدء الحرب، فإنّهما حسما خيارهما لمصلحة البقاء في سوريا. قبل سنوات بدأت «حياة أخرى» تتشكل داخلَها، فانشغلت ميساء بفكرة وحيدة «ماذا يمكنني أن أفعل من أجل مستقبل هذا الطفل؟» لا سيما أن «الأوضاع في ذلك الوقت كانت شديدة التأزم ولا يوجد ما يوحي بتغير محتمل». بحثت السيدة في فرص الحصول على تأشيرة سياحية إلى إحدى الدول الأوروبيّة، قبل أن تكتشف أن جميعها لم تعد تقدّم أي امتياز لطفل سوري يولد على أراضيها، باستثناء «إقامة مؤقتّة» في أفضل الأحوال. اهتدت ميساء إلى فكرة الولادة في البرازيل عبر إحدى صديقاتها، كانت الصديقة تخطط للقيام بتلك الرحلة، مقتفيةً بدورها خُطى شقيقتها التي خاضت التجربة قبلها. لا يختلف الأمر كثيراً في حالة ندى (اسم مستعار). سمعت السيدة عن قريبة لها ذهبت للولادة في البرازيل. سعت وراء التفاصيل، وساهم وجود سفارة برازيليّة في دمشق في حسم القرار سريعاً. تقول ندى: «أهم شي كان ممكن قدمه لابني جنسية ثانية، جنسيّة تعطيه فرص بالمستقبل، نحن انكتبت علينا حياة الحرب، وكان لازم فكّر بحل مشانو».

«مافيات» على الخط
حصلت ندى وزوجها على التأشيرة بسهولة، خلافاً لميساء. ويكمن السرّ في أن «المافيات» كانت قد تنبّهت إلى «باب رزق» جديد. تشرح ميساء «كنت في الشهر الخامس من حملي. سألنا عن إجراءات الفيزا في السفارة البرازيلية والأوراق المطلوبة، سمعنا أن تكلفة التأشيرة لا تتجاوز 50 دولاراً فقط، والحصول عليها ليس صعباً في حال وجود إثباتات معينة: بيان وظيفة، بيانات بالأملاك، رصيد مصرفي. علمنا أن الحصول عليها يستغرق شهرين على الأكثر، هذا يعني أنني سأكون في بداية الشهر السابع من الحمل، وهذا أمر مقبول». اكتشفت السيدة أن منح التأشيرات بالطريقة الروتينيّة متوقف، وأن عليها البدء بطريقة عكسية: من داخل البرازيل، وعبر شبكات بدأت تحترف تنظيم المسألة. تقول: «اهتدينا إلى شاب سوري مقيم في البرازيل، وقد احترف هذه المسألة. يقوم عمله على أن يستقبلنا منذ وصولنا إلى البرازيل ويعمل دليلاً دائماً لنا: يؤمن السكن، يأخذنا إلى المشفى، يرتب إجراءات القبول، ثم بعد الولادة يتولى الإجراءات الخاصة بالطفل وصولاً إلى الحصول على الجنسية». للشاب شركاء في دمشق، يعملون في مكاتب سياحية، وتُعد «تزكيته للزبائن» لدى أصحاب المكاتب ضماناً للثقة. بعد «التزكية» قصدت ميساء مكتباً في أحد أرقى أحياء دمشق. طُلب منها مبلغ 1800 دولار للحصول على تأشيرة الشخص الواحد! اكتشفت السيدة لاحقاً أن المكتب متعاون مع موظّفين داخل السفارة، يُسهّل هؤلاء تأشيرة عملاء المكاتب، ويعيقون تأشيرة من يراجع السفارة مباشرةً!

لكلّ عُقدة حل
كانت رولا (اسم مستعار) قد اتّفقت وزوجها على تأجيل فكرة الإنجاب، بسبب الظروف السيئة. حين سمعت السيدة بوجود فرصة من هذا النوع أقنعت زوجها بأنّ «العُقدة حُلّت» لا سيّما أنها كانت تتمنى الحصول على طفل قبل أن «يفوتها القطار» (عمرها 37 سنة). بعد شهور حملت السيّدة، وبدأت التخطيط للمستقبل البرازيلي. صعوبة تأمين التأشيرة كان أمراً محلولاً بفضل «السماسرة»، أما التكلفة الماديّة فهي أمرٌ يتعلّق برولا، وكان عليها إيجاد حلول له. «معنا شوية مصاري، وجوزي عندو حصّة بقطعة أرض ورتة، باعها لأخوه». لا تسمح طبيعة عمل الزوج بالسّفر، لذلك كان على رولا خوض التجربة وحدها، وهو أمر كفيل بخفض التكلفة. في سبيل خفضها أكثر قرّرت السيدة أن تؤجّل سفرها حتى الشهر الأخير من الحمل، رغم أن قوانين السفر تفرض وجود وثيقة طبيّة تؤكّد أنّ عمر الحمل ستة أشهر على الأكثر. «رضيت دكتورتي تعطيني ورقة، خاصة إنو حملي كان مستقر». في الحالات «المستعصية» ثمّة حل جاهزٌ لدى السماسرة مقابل مبالغ إضافيّة. يتعاون عدد من الأطباء مع السماسرة، ويمنحون الحامل الوثيقة المطلوبة لتقوم بتصديقها من مديريّة الصحّة، ثم تطير بحملها إلى بلاد السامبا. «لكل شيء حل عند المكاتب ما دمت مستعدّاً للدفع»، حتى تقصير الزمن اللازم للحصول على التأشيرة أمر متاح «يمكن تأمينها في أسبوعين، وطبعاً مقابل مبالغ إضافيّة». خلافاً لحالة رولا، رفضت طبيبة ندى إعطاءها الوثيقة المطلوبة رفضاً قاطعاً، لا سيّما أنّ ظروف حملها كانت صعبة. ولم تكتف الطبيبة بالرفض، بل ضغطت على السيدة كثيراً كي تعيد التفكير في الأمر وتتجنّب المخاطرة، وهو ما حصل بالفعل. في نهاية المطاف ولدت ندى في دمشق، لكنّ المغامرة البرازيليّة ما زالت في ذهنها خياراً يمكن الإقدام عليه في الحمل المقبل.

«الصحوة البرازيليّة»
تنبّهت السلطات البرازيليّة إلى «الغزو السوري». وبرغم أنّ القوانين ظلّت تتيح منح الجنسية للطفل المولود على أراضيها، فإنها اتّخذت جملة إجراءات تهدف إلى الحدّ من نشاط «المافيات»، بما في ذلك تغيير بعض الموظّفين في السفارة في دمشق. كذلك، صار من بين شروط الحصول على تأشيرة لأي سيدة سورية إبراز تحليل طبيّ يُثبت عدم وجود حمل (السماسرة مستعدون لتأمين ما يُثبت ذلك أيضاً). تحدث عدد من السوريين عن «تشديد من السلطات الفيدراليّة البرازيلية، إلى حد الاستنفار في المطارات عند وصول طائرة عربيّة، والتدقيق بشدّة عند باب الطائرة على حالات النسوة القادمات». وتقول إحدى السيدات اللواتي تحدثت إليهن «الأخبار» إنّ صديقةً لها قد تمّ احتجازها مدّة أسبوعين في أحد المطارات البرازيلية قبل السماح لها بدخول البلاد شريطة أن تتقدّم بطلب لجوء رسمي. في الفترة الأخيرة صار الحصول على إقامة لذوي الطفل أمراً أصعب من السابق، كما أنّ منح الجنسيّة لم يعد يتمّ فوريّاً، بل يتطلّب التثبّت من أن الطفل المولود لا يزالُ داخل البلاد.

السماسرة يمتنعون
حصلت «الأخبار» على أرقام هواتف أشخاص ممن احترفوا «تسهيل الولادات في البرازيل». تواصلنا مع أم أحمد، وهي سيدة عراقيّة تقيم في البرازيل وتتولى الأمور «من الألف إلى الياء». بعد محاولات عدّة، امتنعت أم أحمد عن الإدلاء بأي تفصيل. ورغم أن السيدة أكّدت أن عملها «غير مخالف للقانون»، فإنّها برّرت امتناعها بأنّ «الصحافة بتجيب وجع راس». تواصلنا بعدها مع أبو فادي (خمسيني سوري مقيم في البرزايل) عبر أحد تطبيقات التراسل الفوري. وعلى امتداد أسبوعين أرسلنا رسائل مقتضبة كثيرة من قبيل «مرحباً أبو فادي»، ومن دون الكشف عن صفتنا الصحافيّة، لكنها ظلّت بلا إجابات، ردّ الرجل أخيراً بجملة واحدة «لا تعذبوا حالكم، مع صحافة ما بحكي». ما يشي بأنّ السيدة العراقيّة قامت بـ«تعميم» الأمر على «زملائها»!

المصدر: صحيفة الأخبار اللبنانية