بقلم: كمال خلف
تم حسم الصراع الكبير المرير في سورية أو بالأدق على سورية، ولحسن الحظ انكفأ مشروع اخذ سوريا إلى المصير الأسود، كما حصل في ليبيا والعراق بعد غزوهما وتحوليهما إلى دول فاشلة، بذرائع تشبه تلك الذرائع التي سيقت لسوريا.
إنقاذ سورية تم بصمود الجيش العربي السوري أولاً، ثم بتعاون مخلص من الحلفاء في موسكو وطهران والضاحية الجنوبية لبيروت . ولكن السؤال الذي يطرح اليوم بإلحاح ماذا بعد؟ أزعم بعد إقامة طويلة في دمشق التقيت فيها مختلف نخب البلاد، أن لا إجابة واضحة لدى أحد، وأن صورة المستقبل المستقر ماتزال غامضة. ولهذا نحاول أن نقدم ملاحظات من واقع الحال لنتملس من خلالها ما استطعنا المرحلة المقبلة في سورية.
قد نطرح السؤال الملح التالي محاولين فهم المشهد.. إلى ماذا تسعى روسيا صاحبة الرعاية الدولية في المرحلة المقبلة؟ ما من شك أن الروس يواجهون ضغطا لإخراج ايران من المشهد، برأينا هذا مازال ليس جوهريا بالنسبة لروسيا، الأهم بالنسبة لموسكو موقع سوريا المقبل، وهذا الأمر ربما يحسم تلقائيا تأثير الوجود الإيراني. فهل ستكون سورية كما كان موقعها ودورها ما قبل العام 2011؟.
رغم أن النفس القومي العربي مازال طاغيا بين النخبة السياسية السورية، إلا أنك تستطيع أن تلاحظ أن ثمة تيارا بدأ ينطلق من تجربة السنوات المريرة للقول” سوريا أولا” وأنه ينبغي التركيز على إعادة دورة الحياة إلى البلاد، وهذا يتطلب إدارة الظهر للقضايا العربية، ويرتكز هذا التيار في طرحه على الدور العربي التخريبي في سوريا خلال السنوات الماضية، وموقف حركة حماس الذي انحاز إلى هويته الإخوانية، بعد أن كانت الحركة مدللة ومحتضنة من الدولة والشعب السوري، اثر طردها من الأردن، وهذا الموقف يتم تحميله لكل الحالة الفلسطينية، رغم أن منظمات فلسطينية عديدة و جيش التحرير الفلسطيني خاضوا معارك إلى جانب الجيش السوري وقدموا آلاف الشهداء من أجل الحفاظ على وحدة سورية .
المؤشرات في وواقع الحال السوري بعد حسم المعارك الكبرى يؤشر إلى أن روسيا تميل إلى تيار” سوريا أولا”، وبالمناسبة هو تيار أو رأي لا يخص الحالة السورية فقط، إنما هو تيار بات يسود داخل الدول العربية، في لبنان نحن أمام تيار جارف يقول “لبنان أولا” وفي العراق كذلك الحال …فهل جاء دور سوريا قلب العروبة النابض، لتدخل نادي الانعزال؟
المصالح الروسية في سورية لا ترتبط بالصراع السوري مع إسرائيل، على العكس، مصلحة روسيا أن لا تعود سورية منصة لمواجهة دولة الاحتلال، ولا نعتقد أن روسيا معنية باحتضان سورية لحركات المقاومة الفلسطينية أو العربية في إطار الصراع مع إسرائيل.
ما يعني موسكو اليوم هو تأمين الاستقرار في سوريا تمهيداً لحل سياسي يضمن فيه الروس أن لا تكون سوريا منطقة نفوذ غربية هذا هو المهم، لعل الاقتراحات الروسية حول الدستور السوري الجديد، على سبيل المثال تغيير اسم الجمهورية من العربية السورية إلى الجمهورية السورية فقط يعطي مؤشرا على ما ذهبنا إليه، وهذا المقترح بالمناسبة تم رفضه رفضاً قاطعاً من قبل الحكومة السورية.
علينا أن نلاحظ أن موسكو تفضل التفاهم مع تل أبيب وواشنطن بشأن ترتيبات الميدان السوري، وهذا يجعل موسكو بوضع مريح نسبياً على المسرح الدولي، هذا ظهر جلياً في رعاية موسكو لعملية تحرير الجنوب السوري، ويظهر كذلك من خلال إبلاغ الجانب الإسرائيلي أن روسيا غير معنية بالاستهداف الإسرائيلي المتكرر لحزب الله والقوات الايرانية داخل الأراضي السورية، في إطار التفاهمات الروسية الإسرائيلية، ولكن كلا من الولايات المتحدة و”إسرائيل” لا يقدمان شيئا بالمجان، ودور سورية المستقبل وسياساتها على الصعيد الخارجي هو مربط الفرس، فهل تضمن روسيا ذلك مقابل وقف مشاريع تفتيت البلاد ومحاصرتها وتهديدها، بل وعودة سورية قوية الى الساحة الدولية.
المحللون الإسرائيليون يحاولون الإشارة إلى هذا السيناريو. وهم مطمئنون إلى الضمانة الروسية، ويستعجلون إخراج ايران من المعادلة، ويأملون بنفوذ ولو محدود للغرب من خلال عملية الحل السياسي عبر إشراك أطراف معارضة لها ارتباطها بالدول الغربية.
لا نستبعد أن ترعى روسيا مستقبلا مفاوضات سورية إسرائيلية لإبرام إتفاق يخص الجولان السوري المحتل، وتنهي المشكلة بين دمشق وتل أبيب، وهذا ما سيجعل القوات الأمريكية تغادر سورية وتترك للكرد حرية إبرام اتفاق مع الدولة السورية، وهذا يضمن عدم فعالية الوجود الإيراني أو حزب الله أو التنظيمات الفسطينية في سوريا الرافضة للتسوية السياسية التي سار بها الشهيد ياسر عرفات منذ البداية.
رغم كل ما ذكرناه، يبقى لشخصية الرئيس السوري”بشار الأسد” الدور الأبرز، وهو ضمانه كافية لوحدة سورية وموقعها وموقفها، يحسب له أنه لم يتخلى عن شبر من أرض الجولان السوري المحتل، ولم يسلم ويرفع الراية البيضاء في مواجهة أقسى هجمة تتعرض لها سورية في تاريخها المعاصر، ورغم حاجته لحلفاء لصد الهجمة على بلاده، إلا أنه لا يقبل أن يلعب دور التابع لأي منهم سواء كان الحليف الإيراني أو الروسي، وهو يرفض كل ما يمس بمصلحة بلاده، وهذا يعاكس ما تروج له وسائل إعلام عربية وغير وعربية، بأن الأسد ينفذ كل ما يريده الروس أو الايرانيين.
باعتقادنا أن الأسد لن يغادر مربع الممانعة والمقاومة ضد “إسرائيل” والسياسات الأمريكية، وبذات الوقت لن يترك بلاده تدفع ثمن ذلك دماراً وخراباً عبر جبهات مفتوحة على مصاريعها مع”إسرائيل”، انطلاقاً من هذا سيأخذ الأسد ما يناسبه من الرغبات الروسية وما ينسجم مع مصالح بلاده من السياسيات الايرانية.
وبين هذه العوامل والسياسات الداخلية الخارجية، تكمن حقيقة أن سوريا بعد الأزمة تعيش مخاضاً جديداً، سوف يفضي الى سورية جديدة نتمنى أن تكون قوية ومنيعة كما كانت دوماً.
المصدر: رأي اليوم