من منا لم يسمع بالهنود الحمر أو السكان الأصليين لقارة أمريكا ومن منا لم يشاهد عنهم فلما يصور وحشيتهم وحياتهم البدائية بل حتى الصغار شاهدوا الرسوم التي تحكي قصص عنهم واستمتعوا بمشاهدة رقصتهم المشهورة وأصواتهم المميزة التي يطلقونها باستخدام الفم واليد .. ولكن أين هم الآن ؟ .وأين اختفوا ؟ .هل اندمجوا في الحضارة وأصبحوا موظفين وتجار وفنانين واختلطوا بالحياة العصرية وأصبحوا أكثر رفاهية ؟
ربما كل ما نعرفه عنهم أو نتخيله أنهم كانوا أناس همجيين متوحشين يختبئون في رؤوس الجبال ليهجموا على الأمريكان البيض المساكين ويطاردوهم بمطارق التوماهوك – سلاحهم الخاص – ليقتلوهم ويمزقوهم بوحشية كما تصوره الثقافة الأمريكية اليوم.
إن هذه الصورة التي أوصلوها لنا وحفروها في أذهان الناس ما هي في الحقيقة إلا سلب وطمس للصورة الحقيقة لواقع الهنود الحمر بعد أن سلبوا أرواحهم وأراضيهم وما هي إلا محاولة لدفن جريمة بشعة راح ضحيتها أكثر من 112 مليون إنسان ينتمون إلى أكثر من 400 أمة وشعب تم القضاء عليهم بأفظع عمليات الإبادة في التاريخ وأبشع الأساليب والطرق الوحشية خلال مائة وخمسون عام من الزمان حتى تناقص عددهم إلى ربع مليون فقط حسب ما أحصي في عام 1900م.
هذه الحضارة والتقدم التي تعيشه أميركا اليوم والديمقراطية والمدن الكبيرة لم تقم إلا على أشلاء وجماجم الهنود الحمر وعلى أراضيهم المنهوبة فقد تم القضاء عليهم ومحوهم من الوجود.. استخدم فيها الرجل الأبيض كافة الأسلحة والأساليب والطرق التي لا تخطر على بال أحد ولا يفكر فيها حتى الشيطان نفسه.. والمؤسف اليوم أن توصف هذه الإبادة الشاملة بأنها مجرد أضرار هامشية لنشر الحضارة.
حيث رصدت السلطات الاستعمارية المكافآت والجوائز لمن يقتل هندي أحمر ويأتي برأسه سواء طفل أو امرأة أو رجل لا يهم المهم الرأس وقد كانت الجوائز عبارة عن 100 جنية إسترليني لرأس الرجل الهندي و50 جنية إسترليني لرأس المرأة أو الطفل كأسلوب جديد للإبادة الوحشية.. وسرعان ما انتشر الصيادون في أرجاء القارة يجلبون الرؤوس بأعداد هائلة ثم اقتصروا على فروة الرأس ليخف عليهم العناء ولكي لا تزدحم عرباتهم الخشبية بالرؤوس وليستطيعوا تحميل أكبر عدد من فروات رؤوس الأطفال والنساء التي يتم سلخها وكان كثيراً من الصيادين يتباهون أن ملابسهم وأحذيتهم مصنوعة من جلود الهنود تفاخرا بقوتهم ومهارتهم في الصيد.
ثم تطور الأمر لدرجة إقامة حفلات للسلخ والتمثيل لا يحضرها إلا علية القوم خصوصاً إذا كانت الضحية أحد زعماء القبائل حتى إن المجرم الآخر “جورج روجرز كلارك” أقام حفلة لسلخ فروة رأس 16 هندي وطلب من الجزارين أن يتمهلوا في السلخ ليستمتع الحضور بالمشاهدة وللأسف يعد هذا السفاح اليوم رمزاً وطنياً وبطلاً تاريخاً أيضاً.
أما الرئيس أندره جاكسون الذي تحمل صورته ورقة العشرين دولار فكان من عشاق السلخ والتمثيل بالجثث وكان يأمر بحساب عدد قتلاه بإحصاء عدد أنوفهم وآذانهم المقطوعة، وقد أقام حفلة برعايته مثل فيها بـ 800 رجل من بينهم الزعيم الهندي “مسكوجي”.
مائة وخمسون عام من الاضطهاد والقتل مارسها الانجليز ضد الهنود الحمر، لم تبق طريقة مهما كانت بشاعتها إلا واستخدمت.
بل حتى التعقيم لم ينسوه فخلطوا مياه أبارهم وطعامهم ما استطاعوا بالعقاقير المعقمة حتى لا ينجبوا أطفالا و أجيالا جديدة وينقطع دابرهم إلى الأبد.