علي ناصر||خاص المحاور

تستمر المعارك العسكرية المباشرة على امتداد الأراضي السورية، وبعيداً عن مجريات طاولات الحوار، يظهر الشمال بدوره معزولاً عن باقي المشهد السوري، فالاتفاقات الدولية كانت كفيلة برسم الحدود هناك بين كافة أطراف النزاع، وخاصة بعد إعلان الحكومة التركية انتهاء عملية “درع الفرات” وتحقيق أهدافها بإبعاد خطر “داعش” عن الحدود التركية، لتنتقل المنطقة من حالة الاشتباك العسكري إلى التقسيم السياسي وحرب المفاوضات.

وفي هذا السياق صرح رئيس المكتب السياسي في المجلس العسكري بمدينة تل رفعت “بشير عليطو” في لقاء صحفي “إن مفاوضات تجري بين فصائل ما يسمى “الجيش الحر” و”قوات سورية الديمقراطية” بهدف تسليم المناطق على الحدود مع تركيا لأبناء المنطقة، وفي حال لم تقبل الأخيرة  بتسليم المناطق بدون قتال فما من خيار سوى استعادة تلك المناطق بالقوة”.

كل تلك التطورات ومع سعي فصائل المعارضة بدعم من أنقرة إلى إنهاء وجود “قوات سورية الديمقراطية” في مدينة “تل رفعت” بريف حلب الشمالي؛ تحت ذريعة إعادة الأهالي إليها بعد التهجير الطويل، تطرح نواة المناطق الآمنة التي تطمح لها تركيا على امتداد حدودها، ولتكون بذلك قد حققت أحد مكاسبها على الأرض السورية.

وبالتزامن مع ذلك صرحت الدولة التركية على لسان رئيس وزرائها بن علي يلدريم أنها مستعدة لشن عمليات جديدة في سوريا عند الضرورة، لامتلاكها الحق في الرد على كافة العناصر التي تهدد أمن وسلامة حدودها.

تصريحات تبعها تصريحات لوحت بها تركيا بوجه تواجد “وحدات الحماية الشعبية” المتعاظم على تماس بلادها، حيث تعتبر ذلك الوجود من أكبر مصادر الخطر المباشر.

ومع استناد الحكومة التركية لنتائج عملية “درع الفرات” واصلت مهاجمة “الوحدات” عبر  انتقاد السياسة الأمريكية القائمة على دعم “وحدات الحماية الشعبية” في المنطقة، موجهةً الضوء إلى المخاوف الناتجة عن تعاظم قوة “الوحدات”، وإلى الأخطار التي سوف تنجم من تغيّرات ديموغرافية في المحيط.

كما اتخذت من نجاح العملية المزعومة فرصة جديدة لإعادة طرح خطط مشاركتها في معركة الرقة القادمة؛ في محاولة منها لاكتساب امتيازات دولية أكبر في المنطقة عبر محاربتها للإرهاب، ومن جانب أخر تمنع “وحدات الحماية الشعبية” من توسيع مناطق نفوذها وزيادة قوتها وموقفها الدولي.

الموقف الأمريكي..

لقاءات “أمريكية – تركية”، كانت مقدمة لطمأنت واشنطن للأتراك، حيث صرحت أنها لا ترى إمكانية لـ”دولة كردية” في الشمال السوري، الأمر الذي توافق مع خطاب قائد قوات “التحالف الدولي” “ستيفن تاونسند” أن “مهمة “التحالف” ليست “إقامة دولة اتحادية كردية”، ونحن لا نحرر الرقة من أجل أي حزب”، كما أشار إلى أن ” (قوات سوريا الديموقراطية)، على الرغم من أن قياداتهم كردية إلى حد كبير، فإن أكثر من نصفهم من غير الأكراد”.

يأتي هذا مع إشارة المعطيات الميدانية على الأرض إلى أن “التحالف” يمضي قدماً في دعم عمليات “قوات سوريا الديموقراطية” دون غيرها لخوض تلك المعركة، الأمر الذي يُظهر للعلن أن ورقة “الوحدات” لم تحترق بعد عند اللاعب الأمريكي، الذي مازال يستخدمها لتبرير إنشاء قواعد عسكرية واستقدام قوات جديدة للمنطقة.

وفي نهاية المطاف، هل سيشهد الشمال السوري صراعاً بين “فصائل المعارضة” -المدعومة تركياً- و”وحدات الحماية الشعبية “؟ أم الاتفاقات الدولية ستتيح مناطق آمنة يحصل عليها الطرف التركي؟ تساؤلات عديدة وخلط للأوراق سيطرح معادلات جديدة في المنطقة، فانحسار “داعش” في الشمال خلف بيئة هشة أمام الاتفاقات الدولية، وذات قابلية للتقسيم بغية إرضاء أطراف النزاع.

لتبقى الحرب السورية حرب مصالح ومكاسب، والأرض السورية مطمعاً لكل الأطراف، فبين اتفاقات وتحالفات يعلو صوت الرصاص، ويبقى الأقوى صاحب الكلمة والقرار.