بقلم: نارام سرجون

إياك أن تشرب من كأس النصر في معركة وأنت في قلب الحرب .. فالنصر من لون الخمر ومن نوعه ومن وزن حروفه وألحانه .. قد نسكر به وكأن حروف النصر مشتقة من عروق الخمر .. أو كأن الخمر من رحيق النصر ..

ساقول بأن أكثر شيء نال اعجابي وتقديري في الساعات التي تلت اسقاط الطائرات الاسرائيلية هو مقدار الهدوء لدى القيادة السورية ومقدار التروي .. فما فهمته من مطلعين على عقلية القيادة السورية هو أن العقل القيادي السوري عندما أصدر الأمر باطلاق العنان للصواريخ كان قبل أن يصدر القرار بفترة طويلة قد رسم خارطة للعقل الاسرائيلي وضعت الى جانب خارطة الأرض وبنك الأهداف التي تسيطر عليها من الجولان حتى النقب .. خارطة العقل الاسرائيلي وبنك الأهداف فيه وكيف يفكر وكيف يمكن أن تكون ردود أفعاله وأين النقاط التي يفقد فيها توازنه النفسي اذا تم المساس بها هي احدى أهم الخرائط التي يمتلكها حلف المقاومة .. فالقرار السوري أن الصواريخ ستسقط طائرة اسرائيلية 100% .. ويجب توقع كل الاحتمالات في الرد الاسرائيلي في توقيته ومكانه .. الخارطة التي ترسم العقل الاسرائيلي تعتمد على معرفة العقد اليهودية النفسية ومعرفة عقلية الانتقام لدى هذه المجمعات الاستيطانية للبشر الذين يعيشون القلق الوجودي من الخراب .. وعقلية الاستعلاء العنصري الأجوف الاساطيري ..

العقل القيادي والعسكري السوري وضع كافة الاحتمالات العسكرية والاستخباراتية .. فالضربة بسقوط سقف إسرائيل المتمثل بسلاح الجو فوق الأراضي المحتلة يشبه سقوط سقف البيت فوق رؤوس الاسرائيليين .. أو انهيار سقف الملجأ الأخير .. فبعد أن فقدت اسرائيل سلاح المدرعات والمشاة والميركافا في حرب 2006 ماذا بعد سلاح الطيران يمكن لإسرائيل ان تلجأ اليه الا السلاح الذري؟؟ والعقل اليهودي في اسرائيل يتم انشاؤه على أنه لايمكن أن يعيش من غير سلاح يحميه يرتديه كما يرتدي الكيباه (القلنسوة) في كل وقت .. ولذلك يمكن ان نتخيل الرغبة الاسرائيلية الشديدة والملحة في الانتقام من السوريين للتخلص من عقدة الشعور الرهيب بالخوف والقلق أن اسرائيل صارت عزلاء من اي سلاح .. وهذا ماعكسه الهجوم السريع للمستوطنين في الشمال الى الملاجئ ومحطات الباصات والنقل للابتعاد عن كابوس الشمال الذي صار فيه البيت الاسرائيلي بلا سقف ولاجدران ..

لاشك أن الاسرائيلي سيبحث عن الرد والانتقام .. ولكن اين يمكن توقع رده وانتقامه؟؟ للأسف لم اطلع على ماوضعته القيادة السورية من دراسة للعقل العسكري والاجتماعي الاسرائيلي والذي درس هذا الكائن المسمى اسرائيل كما يدرس حيوان من حيوانات الأدغال أو حيوان نادر خارج من عصور ماقبل التاريخ .. ولكنني أزعم أن معرفتي ببعض مواصفات العقل الهادئ الذي يتابع الاحداث في سورية و”يدوزنها” أن اسرائيل لديها احتمالان فقط لاسترداد كرامتها ولقتل الشعور بالانتحار .. الأول عسكري والثاني استخباراتي ..

الاحتمال باللجوء الى خيار عسكري عبر توجيه ضربة عسكرية قاسية للجيش السوري أو القيادات الرفيعة فيه هي الحل الوحيد لترميم السقف الذي هبط على رؤوس شعب الله المختار .. ولكنه حل خطر جدا لأن ماحدث بالطائرة يعني أن الثمن سيكون باهظا .. ولايمكن أن ينجح هذا الحل الا بمشاركة أميريكية مباشرة حيث سيبني الاميريكيون للاسرائيليين السقف من جديد .. ولكن الخطر في الموضوع هو احتمال أو حتمية أن سقوط الطائرة الاسرائيلية كان بغطاء روسي .. لأن المعلومات المتداولة من زمن طويل تقول بأن الروس هم غالبا الذين كانوا يكبحون جماح العسكريين السوريين عن الرد سابقا على استفزازات اسرائيل وينصحونهم بالتريث .. وكان السوريون يحترمون الرغبة والنصيحة الروسية الصديقة التي كانت ترى أن هذه الردود يمكن ان تتخذ بعد تحرير الجزء الأكبر من سورية بدل ان تتعطل عملية التحرير بمناورات الرد على استفزاز اسرائيل .. وربما كان اسقاط الطائرة الروسية في ادلب الذي وقفت خلفه اميريكا سرا هو سبب غض النظر الروسي عن اطلاق الصواريخ السورية على طائرة ف 16 الاسرائيلية .. وهذا – ان صح – يعني رسالة روسية صريحة في بريد اسرائيل ليصل الى أميريكا بأن روسيا ستكمل مهمتها في تنظيف سورية من الارهاب وتساعد الدولة السورية في بسط سيادتها على جميع أراضيها .. وأن روسيا قد نفذ صبرها من مراوغة الاميريكيين ورغبتهم في التشويش على انجازات روسيا وبالتالي فان أي طائرة روسية تستهدف ثانية فان الرد سيكون مباشرة على الطائرات الاميريكية لأن الروس لن يمنعوا السوريين من استعمال صواريخهم ضد طائرات اميريكية في المرة القادمة التي لن تصمد أمام الصواريخ السورية بدليل حادثة اليوم .. وهذا سيحرج اميريكا لأنها يجب ان تنتقم عند ذلك وهذا سيجرها الى الحرب مع محور المقاومة كله .. وهي التي لاتزال تلعق جراح حرب العراق التي لم تشف منها بعد ..

ولذلك فان الرد الاسرائيلي العسكري المباشر وخاصة بسلاح الجو هو الذي سيشفي غليل الاسرائيليين ولكنه سيعني فيما يعنيه حتمية مجزرة بالطيران الاسرائيلي ويعني أيضا أنه رد على روسيا التي سحبت توصيتها ونصيحتها للجيش السوري بالتريث في الرد منذ اليوم .. وهذا مالاتريده اميريكا حتما ..

ولذلك فان الرد الاستخباراتي الاسرائيلي لتنفبذ العقاب القاسي هو الذي يمكن أن تلجأ اليه اسرائيل كما فعلت بعد حرب 2006 .. فهي لم تقدر على مواجهة عسكرية بعد وفاة الجيش الاسرائيلي المدرع وانتشار جنازات الميركافا وتحول لواء غولاني الى لواء محول على نقالات الاسعاف .. فلجأت الى سلاح الاستخبارات الذي استدعى كل أجهزة الاستخبارات العربية وامرها بمساعدته في تنفيذ عمليات انتقام فردية من كبار قادة حزب الله وعلى رأسهم الحاج عماد مغنية .. وكل القادة الذين صنعوا نصر عام 2006 قي سورية .. فلاشك أن اغتيال عماد مغنية أرضى الغرور الاسرائيلي قليلا ولو الى حين .. ولم ينم الاسرائيلي قرير العين الا عندما قام الثورجيون السوريون باكمال الانجاز الاستخباراتي الموسادي باعلان تمردهم على الدولة واعلان نيتهم تدمير حزب الله والمقاومة وبدؤوا يصورون عمليات الانتقام من الجيش السوري وقادته وأسلحته .. وانتقمت اسرائيل بالثورة السورية استخباراتيا من كل خصومها وكادت تفلح في تمزيق سورية وتهديد حزب الله ..

ليس عندي شك الآن أن وفود الاستخبارات العربية وعملاء اسرائيل من المعارضين ستستدعى على عجل – ان لم تكن قد وصلت الى تل أبيب لتقديم خدماتها – لوضع خطة وبنك أهداف من شخصيات كبيرة ومنشآت حيوية سورية لتوجيه ضربة معنوية للجيش السوري يقوم بها عملاء الموساد العرب والسوريون المعارضون .. وربما ستقدم المعارضة تمثيلية ومسرحية كيماوية ليقوم ترامب بضربة انتقامية لاسرائيل بذريعة الانتقام من قتلة الأطفال كما سيزعم ..

المفاجأة التي ربما لايتوقعها العقل الاسرائيلي والاميريكي هي أن العقل السياسي السوري والاستخباري الذي كان يتهيأ للرد منذ سنوات لايمكن أن يكون قد درس هذه الاحتمالات دون أن يضع بنك الأهداف المحتملة التي يمكن ان تستهدف في سورية ويعمل على حمايتها .. والى جانبها بنك أهداف اسرائيلية وأميريكية سيستهدفها بالرد السريع من نفس العيار .. وتبادل مع الحلفاء الخرائط وبنوك الاهداف .. والقرار اتخذ بأن العين بالعين والسن بالسن ..لأن من صبر هذه السنوات .. فانه كان لاعبا ماهرا بالأوراق ودوّخ جميع اللاعبين ..

لذلك فان مقولة اليوم خمر وغدا أمر .. ليست مقولة تعتمدها القيادات الحذرة والواعية في سورية .. فالنصر لايجب ان يكون خمرا نكرعه ولاخبزا نغمسه في الهواء .. لأن من شرب الخمر على مدى سنوات كان نتنياهو ومجتمعه المريض بالخوف الذي غمس خبزه في الهواء وفي هراء الثورة السورية ووعودها له .. الساسة الاسرائيليون هم الذين شربوا الخمر بكؤوس الثورة السورية حتى ثملوا .. فاذا بهم جميعا – مجتمعا وقادة – يستفيقون فجرا وقد وقع سقف بيت العنكبوت .. وصارت العناكب من غير سقف .. والدنيا قد تمطر عليهم صواريخ ..

أما نحن فنقول اليوم أمر وغدا أمر .. وبعد غد أمر .. وبلغة الصواريخ فان مقولتنا هي: اليوم سام 5 .. وغداً إس 200 وبعد غد إس 300 .. وبعد بعد غد يسقط بيت العنكبوت ..