وسام النمر|| خاص المحاور 

اشتهرت الإدارة الأمريكية بالإباحية السياسية كما اشتهرت بالإباحية الاجتماعية، وآخر قرار إباحي لها الآن هو محاولة اغتصاب عاصمة فلسطين ( القدس العربية )، لكن الكلام هنا سيكون عن الإباحية الاجتماعية التي صدرتها لنا أمريكا وأوربة، والتي تُعد تمهيداً وتسهيلاً للإباحية السياسية ولاختراق العرب.

يقول جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في مقالة له نشرتها جريدة الشرق الأوسط في عددها (5730) بتاريخ 10 / 07 / 1994: “إن أزمة القيم الراهنة تعود إلى الستينات حيث بدأت النسبية الثقافية والإباحية الأخلاقية ، والاستعداد لإلقاء اللوم على المجتمع فيما يتعلق بسلوك الأفراد، لقد بدأت أمريكا تجربتها المشؤومة في الإباحية الاجتماعية قبل ثلاثين عاماً، وقد يتطلب نقد هذه العملية ثلاثة عقود أخرى”.

وفي مقالة ثانية له نشرت في المرجع السابق نفسه:

“إن الإباحية الاجتماعية أفرزت لنا أجيالاً غير مسؤولة ، تحولت إلى الجريمة ، ففي أمريكا كل خمس دقائق تقع ثلاثة جرائم (جريمة قتل، وجريمة سرقة، وجريمة اغتصاب)، فلا تستغرب أيها القارئ الكريم إذا علمت أن هذه الجرائم قد وقعت بالفعل مع نهاية قراءتك لهذه الفقرات من هذا المقال، إن الجريمة اليوم تكلفنا باهظاً، إننا ننفق على مكافحة الجريمة سنوياً ما يزيد عن 80 مليار دولار.
وتضيف لإساءة استخدام الثروة والفساد الاجتماعي ملايين أخرى لا تحصى، ولكن الثمن الإنساني الذي يدفع موتاً وتدميراً لحياة الإنسان، وآمالاً محبطة هو أغلى بكثير، ويقع بتفاوت مرير على قلة حصانتنا”.

أليس لنا في ذلك عبرة تدفعنا لحماية قيمنا وصونها؟

مع الأسف الشديد وبدلاً من الاعتبار؛ ففي نهاية عام 2017م , بدأنا نسمع صيحات في سورية لا هي علمانية ولا هي دينية  تنادي “بالمساكنة” بين الفتاة والشاب من خلال بعض وسائل الإعلام التي تروج لهذه الظاهرة عبر استطلاعات رأي متلفزة وصحفية مكتوبة , ظهر فيها الموافق والموافقة وغير الموافق وغير الموافقة لهذه الظاهرة. . وكأنها ظاهرة إباحية أُطلق عليها مصطلح “تلميعي” كي تلقى قبولاً، هذه الظاهرة قد تفشت في أوربة وأمريكا ونتج عنها عنوسةً وانحداراً للنسل، وقلة الولادات التي أدت إلى انعدام الفئة الشابة العاملة المنتجة وبالتالي ترهل الوطن، وهذا ما جعل أوربة تندم على ظاهرة “المساكنة” وترسل دعوات قبول اللاجئين ومن ثم دمجهم في المجتمع الأوربي لتعديل الوضع البشري المتردي عندهم.

وأصحاب هذه الصيحات يبررون مناداتهم بأنه يجب على الفتاة والشاب أن يخضعوا لتجربة الحياة الزوجية بكامل فاصيلها  قبل القيام بالعقد حتى لا يندم أحدهما، فربما لا يكون انسجام بينهما وحينها سيكون الفراق صعباً ويترتب عليه إجراءات مكلفة.

ألا يعلم أصحاب هذه الصيحات أن العلمانية لا تعني الإباحية، والتدين يعني التيسير، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال : (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا).

فحينما يكون الطلاق شبه مستحيل أو تكون إجراءات الطلاق معقدة تستدعي رفع دعوى في المحكمة وإلى أن يخسر الزوج أموالاً كثيرة.. (نصف ثروته على الأقل عند الغربيين).

وحينما تكون النفقة واجبة على الزوجة لا على الزوج.
والقوامة للزوجة لا للزوج.
والعطف والحنان مطلوب من طرف دون الآخر.
وحينما يجبر الأب ابنته على الزواج.
هذه الفرضيات المستحيلة إذا وقعت قد يُسَوَّغُ  للمجتمع أن يطالب “بالمساكنة”.
ألا يعلم من ينادي بالمساكنة أين ينادي وأين يعيش! وكيف ينادي بالمساكنة خوفاً من الطلاق، والطلاق في المجتمع السوري الذي يمتاز بوسطية الإسلام وسماحته واعتداله، وبإجراءاته السهلة جداً، ففي حين وقوع مشكلة يصعب حلها، وتستحيل معها الحياة , أرشد الإسلام الزّوجين إلى ضرورة الصّبر والتحمّل، فإن لم يقدرا فقد شرع لهما الطلاق، وبالتالي إنهاء حالة الشّقاق والنّزاع بينهما  حتى يستأنف كلّ منهما حياته الخاصّة ، قال تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)، أيضاً قال تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).

إذاً التسريح يكون بالإحسان والله يغني كلاً من سعتهِ فلماذا تعقيد الأمور بطرح فكرة المساكنة! وما ضرورة “المساكنة”، والرسول – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يدعو أمته ألا تعقد الزواج أمام رجل جاء ليخطب وألا يكثروا عليه بالمطالب والمهر الغالي ، ويقول في حديث فيما معناه: (أقلهن مهراً أكثرهن بركة)، وقد أشار إلى أن نراعي الظروف الاقتصادية التي يعيشها شبابنا، وأن نرأف بحالهم، فتسيير الزواج له الفوائد الكثيرة التي تعود على مجتمعاتنا، حيث تقل معدلات الجريمة من قتل واغتصاب ، وغيرها من الجرائم الناتجة عن عدم قدرة الشباب على الزواج؛ بسبب كثرة مطالب أهل الفتاة.

لماذا “المساكنة” وهناك مدة زمنة شرعية للتعارف يحددها الطرفان قبل دخولهما بيت الزوجية؟ وما إعراب “المساكنة”، والرسول الكريم يقول: (إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)، أليست المساكنة تشير إلى الفساد العريض والبعد عن السعادة والاستقرار ؟

وكيف تكون “المساكنة” والشريعة والقانون قد أجازتا للمرأة البالغة الراشدة العاقلة تزويج نفسها بشرط الكفاءة؟، ألا تعلم الإدارة الأمريكية؛ أن المرأة عندنا ليست بضاعة وليست فريسة، وأن الإسلام قد منحَ المرأةَ حريتها ضمن ضوابط الأخلاق، وأعطاها مكانتها المرموقة، بعد أن عاشت ذلاً وظلماً بين أعراف العرب قبل الإسلام، حتى أنهم كانوا يقتلونها بعد ولادتها خوفاً من العار، وفي ذلك يقول سماحة العلاّمة الشيخ محمد صالح فرفور – رحمه الله:

حـرَّمتَ وأدَ التي لا ذنبَ تعرفـهُ .. ولا أتت دهرَها بغيا و عدوانا
رفعتَ من شأنها و الكلُّ يمقتها .. حتى جعلتَ لها من ذلّها شانا
حررت بالدين أعناقاً قد انسجنت .. تحت الخُنُوع وتحت الذُّل أزمانا

وأخيراً إن مصطلح “المساكنة” قد أتى من السكن كما أتت السكينة من السكن، والسكن استقرار، ولا استقرار دون عقد زواج يحترم العلاقة وينظّمها، حيث أنه يستحيل الاستقرار مع السكينة دون تنظيم، فاستخدامهم مصطلح “المساكنة” في غير محله، لذلك عندما يخرج إنسان ليتكلم عن تجربته في “المساكنة” هذا لا يعني أنه يمثل المجتمع.