لم تُخيّب الدول العربية يوما ظنّ الكيان الإسرائيلي، فمنذ احتلال فلسطين إلى اليوم يمكن القول وبجرأة أنّ أهم حُمات هذا الكيان الغاصب كان التواطؤ والضعف العربي.

فليس فقط الدعم الأمريكي والغربي اللامحدود هو الذي أمّن البيئة المناسبة للنهوض وتأسيس الكيان الذي بات في وقت ما يوسم بالكيان الأسطورة، بل إن أداء الدول العربية وبعض الرموز من الدول الإسلامية هو الذي كفل صعود الكيان ليصبح القوة التي لا تُقهر والسبب في ذلك التخاذل والخنوع.

اليوم وبعد حوالي السبعة عقود على تأسيس هذا الكيان، يبدو أن مرحلة مفصلية تعيشها العلاقة (المثيرة للجدل) بين هذا الكيان والدول العربية وخاصة الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية. هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه من خلال بعض المؤشرات التي بدأت تظهر وتتضح يوما بعد آخر وبشكل متسارع ودراماتيكي.

طبعا العلاقات وقنوات الاتصال ليست جديدة، بل يمكن القول أنه خلال العقدين الأخيرين ظهرت مؤشرات كثيرة تؤكد وجود تواصل مباشر بين الكيان ودول كالسعودية والإمارات والبحرين. هذا التواصل بقي خفيا وظهر من خلال بعض التسريبات والمؤشرات التي تؤكد هذا الأمر، فالإمارات على سبيل المثال سمحت بفتح مكتب تجاري للكيان في أبو ظبي منذ سنوات، وطبعت العلاقات رياضيا من خلال السماح لفرق رياضية إسرائيلية بالمشاركة في مسابقات داخل دبي. كل هذا ليس سوى غيض من فيض العلاقات التي كشفتها وثائق البريد الإلكتروني لسفير أبو ظبي في واشنطن يوسف العتيبة.

سعوديا فإن التسريبات الخاصة بالرحلات السرية لأمراء وتجار سعوديين إلى تل أبيب تضج بها الصحافة العالمية. طبعا تبقى العلاقات أقل من علاقات الإمارات ولكن وبعد زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية والرسالة التي حملها من سلمان لنتانياهو نُدرك أن عملية التطبيع العلني قد تم إطلاقها كُرمى لعيون العم سام. وبالفعل فقد قابلها من الجانب الإسرائيلي كلام لنتانياهو يتحدث فيه عن التهديدات المشتركة التي تجمع الكيان مع السعودية وخاصة التهديد الإيراني.

نتانياهو تحدث أيضا عن علاقات غير مسبوقة بين كيانه وبعض الدول العربية. دول وصفتها تقارير لوزارة الخارجية الإسرائيلية بالدول العربية السنية “التي تجمعنا فيها علاقات هي الأقوى على الإطلاق” وكل ذلك حسب المصادر الإسرائيلية.

خليجياً أيضاً وبعد الأزمة التي بدأت بين قطر ودول الحصار، لم يتوانى الإسرائيلي عن القيام بخطوات واضحة تؤكد وقوفه إلى جانب جهة دون أخرى (طبعا هنا لا يمكن أن ننسى أن قطر لديها قنواتها التي تجمعها بالكيان). ولكن يبدو أن إسرائيل فضلت وبشكل علني وواضح أن تقف بجانب السعودية والإمارات وتتخذ إجراءات ومواقف في مواجهة قطر. والقرار بمنع قناة الجزيرة القطرية من البث من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس سوى خطوة في اتجاه تعزيز التعاون مع السعودية والإمارات.

إذا هي علاقات أكيدة وموثقة تتكلم عن نفسها، الأمر الذي اختلف اليوم هو أن الكيان الإسرائيلي ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو لم يعد يهتم بالمحافظة على سرية هذه العلاقات والقنوات المفتوحة. والسبب أن هذه الدول وصلت إلى مرحلة التطبيع العلني وتهيئة الأجواء شعبيا لديها لتقبل هذا الأمر. والمثال الأهم على ذلك تصريحات بعض المسؤولين السعوديين والحملة الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي التي تسوق لعلاقات ثنائية مع الكيان ضد النفوذ والعدو المشترك (أي إيران).

اليوم وبعد الهجوم الذي بادرت إليه أوساط سياسية إسرائيلية على قطر المحاصرة من قبل السعودية والإمارات يتأكد المرأ أن هناك تماهيا كبيرا بين الطرفين بدأ يظهر للعلن بشكل مدروس وممنهج لينذر بمرحلة قادمة من التعاون والتطبيع العلني دون أي محاذير أو اعتبارات. طبعا من الجيد هنا أن نشير إلى مطالب السعودية والإمارات من قطر لوقف الحصار والمقاطعة. فإذا ما دققنا في هذه المطالب سنجد أن جلّها مطالب تهم إسرائيل إن لناحية التضييق على الفصائل الفلسطينية وطرد أفرادها من الدوحة أو قطع العلاقات مع إيران العدوة الأهم لإسرائيل في العالم الإسلامي وصولا إلى منع دعم الفلسطينيين لأسباب تتعلق بالإرهاب.

ختاما تبقى الأشهر المقبلة كفيلة بكشف المستور من هذه العلاقات إلى اليوم، وكأن الأمور تتجه لحل مجلس التعاون المسمى بالخليجي واستبداله بمجلس آخر للتعاون الإسرائيلي الخليجي يهدف عربيا لحماية أنظمة ساقطة شعبيا وأخلاقيا، أما إسرائيليا فالهدف هو تعزيز البيئة المساعدة لاستمرار الكيان في انتهاكاته للحقوق الفلسطينية وتثبيت دولته الغاصبة التي باتت تتهدد وجودها قوى شعبية مقاومة وضعت تحرير فلسطين والأقصى في مقدمة أهدافها.