بعد أقل من أسبوعين على زيارة دونالد ترامب للسعودية، الزيارة المثيرة للجدل التي تمكن خلالها الأخير من حصد مئات المليارات من الدولارات ضمن صفقات سلاح مع السعودية، يبدو أن نشوة آل سعود قد انتهت لتبدأ مرحلة التقييم الواقعي للنتائج التي تحققت.

عقد الملك سلمان وابنه محمد ولي ولي العهد الكثير من الآمال على هذه الزيارة، فقدموا للضيف التاجر صفقات خيالية غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، على أمل أن يتمكن محمد بن سلمان من ارتقاء سلم الحكم السعودي ضمن حركة الشطرنج الأخيرة التي يُفترض أن تطيح بمحمد بن نايف لتضع محمد بن سلمان في ولاية العهد.

هذا الأمر لم يحصل عليه بن سلمان، والتقارير الأمريكية تؤكد إلى اللحظة أن حظوظ محمد بن نايف هي الأوفر بسبب العلاقات التاريخية التي تربطه بالأمريكيين (لذلك نجد محمد بن نايف قد تمسك بمنصب وزارة الداخلية دون الدخول في أي مواجهة مع ابن عمه رغم الحديث عن معارضته لسياساته) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإدارة الأمريكية وعلى عكس ما يتوقعه محمد بن سلمان باتت غير مقتنعة كليا بشخصية وقدرات الشاب المتهور، لذلك تعتمد معه سياسة الإبتزاز الرخيص، على قاعدة أنه البقرة الحلوب الأكثر ربحاً للأمريكيين في تاريخ العلاقات بين الطرفين.

أمريكيا أيضاً، في الداخل الأمريكي هناك معارضة واسعة لهذه الصفقات، حيث يسعى بعض السيناتورات الأمريكيين لتعطيل هذه الصفقات عبر مجلس الشيوخ والكونغرس، إضافة إلى حراك سياسي جدي لاستيضاح ترامب، وسط مخاوف حقيقية من قبل فريق الرئيس الجديد من إمكانية إقالته وتنحيته عن سدة الحكم في البيت الأبيض، وهذا الأمر يعني بالنسبة للسعودية أن كل ما قدموه سيذهب سدى. بل أكثر من ذلك أي إدارة جديدة ستتبع سياسة أخرى مع السعودية.

وفيما يتعلق بالزيارة والقمتين الخليجية وما سمي بقمة إسلامية عربية أمريكية، والتي أطلق خلالها ترامب شعارات معادية لإيران أطربت سمع بعض الحكام الخليجيين، فلم يلبث أن ترك الضيف السعودية حتى بدأت الخلافات الداخلية الخليجية إضافة إلى مواقف بعض الدول الإقليمية المهمة تظهر إلى العلن.

قطر كانت أولى من خرجت عن سياق الخطاب السعودي الترامبي، حيث أكد أميرها أن إيران دولة إسلامية لها ثقلها في المنطقة، مشككا بالرهان على شخص دونالد ترامب الذي يعاني من مشاكل داخلية في أمريكا. وكلنا نعلم ما وصلت إليه الأمور من خلاف حاد مع قطر والسعودية والإمارات، إضافة إلى خروج عُمان عن صمتها لتؤكد أن علاقتها مع طهران في أحسن أحوالها بعد أن امتنع سلطانها عن المشاركة في القمة الخليجية الأمريكية.

إذاً زيارة ترامب للسعودية زادت من الشرخ الموجود ضمن الدول الخليجية، حتى وصلت الأمور اليوم إلى حديث عن نية لإخراج كل من قطر وعُمان من مجلس التعاون.

أما إسلامياً، فالموقف التركي كان واضحا منذ البداية، فلم يشارك أردوغان في القمة، كما أن العلاقات مع أمريكا هي في تدهور واضح بسبب تسليح الأمريكيين لقوات سورية الديمقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية العصب الرئيسي فيها. حيث تعتبر أنقرة هذه الوحدات هي امتداد لحزب العمال الكردستاني.

كما أن تركيا ورغم تقاربها المرحلي مع السعودية لا يمكن أن ترضى بأي شكل من الأشكال أن تصبح السعودية برعاية أمريكية هي محور العالم الإسلامي (السني).

وفي نفس السياق ترفض أنقرة المواجهة المفتوحة مع إيران، وهي التي تملك حدوداً مشتركة تصل إلى 500 كيلومتر إضافة إلى علاقات اقتصادية مميزة.

باكستان أيضاً رفضت الحديث عن حلف إسلامي سني في مواجهة إيران، وهي التي شاركت شكلياً في وقت سابق ضمن التحالف العسكري السعودي ضد الإرهاب، وكان موقفها في حينها هو تأكيد العلاقات الاستراتيجية مع إيران ورفض المشاركة في أي ائتلاف يكون هدفه مواجهتها. كما أنها رفضت بشكل قاطع المشاركة في العدوان السعودي على اليمن الذي بات يشكل اليوم مأزقا لا يعرف محمد بن سلمان كيف يخرج منه.

تؤكد مصادر باكستانية أن الجنرال “راحيل شريف” يتعرض لضغوطات سعودية من أجل عدم تقديم استقالته الآن من قيادة الائتلاف السعودي لمكافحة الإرهاب، لما لذلك من آثار سلبية على الوضع السعودي.

طبعا دول أخرى شاركت في ما سمي بقمة الرياض أكدت خوفها من التجييش السعودي ضد إيران، خاصة أن هذا الأمر سيؤدي إلى تحفيز الصراع الطائفي وإعطائه طابعا سنياً شيعياً، الأمر لذي لا يصب بمصلحة أحد في العالم الإسلامي. وحتى الدول المنصاعة بشكل كامل للإرادة السعودية فمعظمها يتحاشى ذكر إيران في خطاباته، وكأنه يريد الرضى السعودي دون الدخول في مهاترات غير مجدية.

يعتقد البعض أن بداية النهاية قد بدأت للسياسة التي تحكم السعودية منذ ما يزيد عن عامين، فمنذ تولي سلمان سدة الحكم في السعودية وتسليم البلاد لبضعة شبان متهورين والأمور تتجه من سيئ إلى أسوأ، بانتظار أول تغيير دراماتيكي ينهي هذه المهزلة ويعيد تصويب المسار، وإلا فالأمور السعودية تسير إلى ما لا تُحمد عقباه.