صراع الدول العربية والإسلامية مع “إسرائيل” صراعٌ طويل، مرَّ بمعارك وحروب كثيرة، وقد شارك عربٌ وغير عرب، من مسلمين ومسيحيين في الحرب ضد الجيش الإسرائيلي، في عدد من الحروب والمعارك، كحرب 48 وحرب النكسة، في هذا التقرير نستعرض بعضاً من هؤلاء المُقاتلين، وما قاموا به في معاركهم مع الجيش الإسرائيلي.

من لبنان، وهذه المرَّة مُقاتلٌ صلب صامت، بدأ مشواره القتالي من أجل فلسطين وسارَ فيه مع فصائل مختلفة، فكان بدايةً عضواً في فتح وَوثيق الصلة بفصائل المقاومة الفلسطينية ثم مُؤسساً لأول نواة قتالية في حزب الله، وُلد عماد مغنية في قرية شحّور جنوب لبنان، في عام 1962. انضم لكوادر فتح في أوّل شبابه، وتلقى تدريباً عسكرياً مكثفّاً في معسكرات فتح، تحديداً على يد علي ديب أبو حسن سلامة، الذي اغتالته “إسرائيل” في 1999، بدأت خبراته بالتراكم وعلاقاته بالتوسّع بعد أن أسس وحدة خاصة لحماية المرجع الديني محمد حسين فضل الله، الذي كانَ مُوجهاً دينياً لحزب الله لاحقاً في بداياته.

انفصل عماد عن فتح لأسباب تنظيمية في 1981، وكان على اتصال دائم بأحد أبرز قادة المقاومة الفلسطينية المسلّحة، أبو جهاد خليل الوزير، ومع بداية حرب 1982 على لبنان، برزَ مغنية كقائد ميداني وأُصيب في إحدى المعارك في جنوب لبنان إصابةً بقدمه، وبعد خروج فصائل المقاومة من بيروت ولبنان إلى تونس وغيرها من البلدان، خرج معهم أبو جهاد واغتيل لاحقاً في تونس في 1988، وكان لمغنية دور كبير في تأسيس حزب الله.

يبقى السؤال هنا: لماذا اغتالت “إسرائيل” مُغنية في 2008 في دمشق؟ لأنه أول رجال الكتائب في حزب الله، وقد ارتبط اسمه بعمليات مختلفة، أبرزها وأوّلها ترتيبه لعملية «الاستشهادي» أحمد قصير، الذي فجّر سيارته المُلغّمة بمبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة «صُوْر» مما أوقع أكثر من 70 قتيلاً، كذلك عملية تفجير مقر للقوات الأمريكية والفرنسية في لبنان في 1983 ما أدى لمقتل أكثر من 300 جندي من كلا الجيشين.

سعى مُغنية بعد تحرير لبنان في 2000 إلى رفع الكفاءة العسكرية لحزب الله وتكثيف الترسانة الصاروخية لدى الحزب، وعُرف بعد الـ2000 بلقب المُعاون الجهادي للأمين العام، عمل مغنية على مأسسة حزب الله، وبعد التحرير الأول بدأ التفكير بالأسرى وبدأت محاولات اختطاف الجنود الإسرائيليين، التي انتهت بعملية كان هو عقلها المدبر، عمليةُ الوعد الصادق (خُطف فيها جُنديان)، وبعدها قامت حرب يوليو (تمّوز) 2006، التي أشرف عليها كقائد عسكري لحزب الله.

في 2008، بعد اجتماع يُقال أنه كان مع بعض قيادات المقاومة الفلسطينية وأعضاء من الحرس الثوري الإيراني، قُتل عماد مغنية بسيارة مفخخة واتهم حزب الله “إسرائيل” بقيامها بالاغتيال وتوعدَ حسن نصر الله بالرد على ذلك.

سيف الله أعظم

هل تعرف «سيف الله أعظم»؟ سيف الله طيّار باكستاني، اعتبرته القوات الجوية للولايات المتحدة واحداً من 22 صقراً على قيد الحياة؛ لكفاءاته القتالية، وُلد في 1941، حاصرته طائرتان عسكريتان من الهند أسقط إحداهما وأفلت من الأخرى، وسافر من الهند إلى باكستان بعد تقسيم شبه القارة الهندية، ليتدرّب في كلية لسلاح الجو الباكستاني، ثم التحق بدورة تدريبية في قاعدة «Luke Air Force».

كان ذلك في ولاية أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد والتحق بسلاح الجو الباكستاني كمدرب للطيارين، وشارك في حرب عام 1965 بين باكستان والهند، ونفذ عدّة هجمات ناجحة على مواقع هندية عسكرية.

انتُدب لتدريب سلاح الجو في الجيش الأردني العربي، في قاعدة المفرق في عام 1966، ويُعرف عنه أنه عند قيام حرب النكسة عام 1967 تطوّع للقتال ضد الجيش الإسرائيلي فاستطاع إسقاط طائرة إسرائيلية وإصابة أخرى، ثمَّ بعد قصف قاعدة المفرق الجويّة من قِبَل سلاح الجو الإسرائيلي انتقل «أعظم» إلى سلاح الجو العراقي، ليُعيد الكرة في الحرب العربية الإسرائيلية مُسقطًا طائرتين إسرائيليتين، فيكون بذلك قد أسقط ثلاث طائرات إسرائيلية وأصاب أُخرى. نالَ أعظم أوسمة تشريف من العراق والأردن وبلده باكستان، وتقاعد عن العمل عام 1980، والآن يُدير شركته الخاصة في مجال معدّات الطيران.

موفق بدر السلطي

أحد أفضل طياري سلاح الجو الأردني منذ تأسيسه، وُلد في 1939 في مدينة السلط الأردنية التي تُطل تلالها على مدينة القدس، أكمل تعليمه الثانوي ليتخرّج ويعمل معلماً لمدة عام، ثم ذهبت به اهتماماته نحو الانخراط في الجيش، فدخل في سلاح الجو، وتدرّب ستة شهور ظهرت فيها قدراته العالية في القتال، فأُرسل ليتدرب في بريطانيا لعامين، ثم عاد ليعمل مُدرباً للمقاتلين الأردنيين في الأردن.

في يوم 14 (تشرين الثاني) 1966، كانَ موفق في قاعدة الحسين الجويّة ودوّت أجراس “القاعدة” مُنذرةً بتعدّي قوات الجيش الاسرائيلي لخطوط الهدنة نحو قرية السموع، إحدى قرى قضاء مدينة الخليل (جنوب فلسطين)، بقوة عسكرية قوامها أربعة آلاف جندي مُدعّمة بعدد من المدرعات والدبابات وبتغطية جويّة إسرائيلية كثيفة.

انطلق «السلطي» بطائرته هو ورفاقه نحو القرية لصدّ التغطية الإسرائيلية، واستطاع السلطي أن يسقط طائرتين وأصاب ثالثة، وقبل خروجه هو ورفاقه من سماء العملية، تقول بعض المصادر: إن الطائرات الإسرائيلية استطاعت أن تُسقط طائرته، فقفز بالمظلّة، وأَخرجت الطائرات الإسرائيلية رشاشاتها لتصيبه، وتذكر مصادر أخرى أنه بعد إصابة طائرته نزل منها وهي على ارتفاع مُنخفض وميلان أفقي فلم تفتح المظلّة، وقد وُجدت جثته عند البحر الميت من جهة الضفة الغربية.

قتل في تلك المعركة من الجيش الأردني العربي 22 عسكرياً ودُمّرت طائرة هي طائرة السلطي، وأعلن ناطق عسكري أردني أن «العدو تكبد خسائر بلغت أكثر من خمسين إصابة بين قتيل وجريح»، وقُتل في تلك المعركة العقيد الإسرائيلي «يواف شاهام»، قائد لواء المظليين الإسرائيليين، وكانت نتيجتها النهائية طرد القوات الإسرائيلية من القرية وإعادة القوات خلف خطوط الهدنة.

محمد الزواري

الطيار الأخير في تلك القائمة لم يكن طياراً بالمعنى الفعليّ للكلمة، وإنما كانَ صانعًا للطائرات ومُهندسًا لها، ولم يواجه يوماً ما جنديًا إسرائيلياً، ولكن طائراته واجهت؛ وظللت الأراضي الفلسطينية كلها، كان محمد الزواري مُهندساً للطائرات بدون طيّار التي أطلقتها كتائب القسّام في العدوان الأخير على غزة 2014.

محمد الزواري، مُهندسٌ تونسيٌ وُلد في صفاقس وفيها اغتيل. خرج إلى المنفى من وطنه تونس بسبب ملاحقات نظام المخلوع بن علي فقد كان أحد شباب التيار الإسلامي في تونس، واستقرّ به الحال بعد كثيرٍ من الترحال في سورية، ليرتبط هناك بالجناح العسكري لحماس: كتائب القسّام، وصارَ عضواً فيه في 2006.

بعد ثورة الياسمين في 2011 عاد الزواري لتونس، حاملاً آمالاً علميةً طموحة، ليبدأ برسالته للدكتوراة عن غواصة تعمل بنظام التحكم عن بعد، وقد كتب من قبلها في مجال الطائرات بدون طيار، بل أنشأ نادياً سمّي بـ«نادي الطيران النموذجي بصفاقس».

بعد ارتباطه بكتائب القسّام، عمل الزواري مع قادة آخرين على مشروع الطائرة بدون طيار، والذي سُمّي بـ«مشروع طائرات الأبابيل القسامية»، والذي نتج عنه إصدار طائرة (أبابيل1)، ولها 3 نماذج:

  • للمهمات الاستطلاعية (A1A)
  • للمهمات الهجومية- (إلقاء A1B)
  • للمهمات الهجومية- (انتحارية A1C)

وقد حلّقت هذه الطائرات فوق الأراضي الإسرائيلية في العدوان الأخير على غزة في 2014، ونفذّت بعض المهام العسكرية.

اغتيل محمد الزواري في صفاقس 15 (كانون الأول) 2016، وأعلنت كتائب القسام أنّه أحد مُهندسيها، واتهمت الكتائب بتأييد من أهل الزواري الموساد الإسرائيلي باغتياله، فيما كان الرد على غير المُعتاد بأنه «من المُمكن» أن يكون الموساد مسؤولاً عن الاغتيال.

 

ماذا عن المُقاتلات والفدائيات؟

لدينا فتاتان، الأولى سناء محيدلي، التي انتسبت للحزب السوري القومي الاجتماعي، فتاةٌ بعمر الـ16 عاماً، نفذّت في 1985 أول عملية «فدائية» تقوم بها فتاة ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث استهدفت فتاة الـ16عاماً آليات للجيش الإسرائيلي تقف عند معبر «باتر–جزين» بسيارة مفخخة، بعد عمليتها بـ12 يوماً لحقت بها المُقاتلة «لولا عبود»، المُلقبة بـ«زهرة البقاع»، التي نفذت عدداً من العمليات منها مواجهات، ومنها زرع عبوات ناسفة، وقتلت في إحدى المواجهات عن عمر يناهز 17 عامًا.

الحاج حسين عبد الله السامرائي

ومن العراق، مؤخرًا في 17 آذار 2017، رحلَ آخر جندي عراقي قاتل ضد الجيش الإسرائيلي في عام 1948، الحاج حسين عبد الله السامرائي، الذي ظلّ يذكر قصصه ومعاركه التي شارك فيها في فلسطين حتى آخر أيامه.

ذهب السامرائي للقتال في فلسطين وعمره دون الـ24 عامًا في هندسة الآليات الكهربائية، وحارب تحت إمرة القائد الكردي عمر علي، الذي كانت معاركه أفضل معارك الجيش العراقي في فلسطين ضد الجيش الإسرائيلي، تُوفي السامرائي عن 95 عامًا مُستذكرًا تواجد الجيش العراقي حول بحيرة طبرية والأوامر التي فرضت عليهم بالانسحاب منها، بالرغم من تحريرها.