ليس مُستغرباً صمت دوائر القرار في تل أبيب وتجاهل الخبراء العسكريين والاستراتيجيين الرد على خطاب السيد حسن نصر الله منذ يومين.

فعلى الرغم من أن بعض أدمغة الحرب النفسية يضعون ذلك في خانة دراسة الموقف وقراءة الملامح العامة لأبعاد الخطاب، ما يُعتبر أمراً منطقياً، فإن الحقيقة تكمن في كون خطاب السيد حمل الكثير من المفاجآت التي لم يكن يتوقعها العقل “الإسرائيلي”، وهو ما يدفعهم للتأني منعاً للتورط في تقدير أي موقفٍ استراتيجي قد يحمل في طياته نقاط ضعفٍ أو ملابسات. وكيف يمكن مقاربة نجاح حزب الله في إدارة التحولات في المنطقة خدمةً لمصالحه في الصراع؟ وكيف قدَّر السيد نصر الموقف الاستراتيجي؟

ما يجب قوله قبل التحليل: بين نجاح حزب الله وفشل الكيان “الإسرائيلي”
لا شك أن الصراع أنتهى لعددٍ من النتائج التي يجب الإشارة إليها والتي نذكر أهمها باختصار فيما يلي:

أولاً: يجب الاعتقاد بأن لدى حزب الله القدرة على تقدير المواقف العسكرية والأمنية بدقة وهو ما أثبتته التجربة. والتي على أساسها يقوم بتحديد الخيارات، لنقول أن السيد نصر الله أطلق موقف حزب الله بناء لتقديرٍ استراتيجي، دفعه للذهاب أكثر لمناقشة الخيارات والتلويح بها.

ثانياً: لا بدّ من اليقين بأن القيادة “الإسرائيلية” تسعى لاستغلال أي نقطة ضعف، قد تبدر من حزب الله على الصعيدين العسكري والأمني. وهو ما لم يحصل حتى الآن. ويبدو أنه لن يحصل في ظل القدرة العالية لدى قيادة الحزب على إدارة الصراع عبر تحويل المخاطر الى فرص، حيث استطاع الحزب تحويل مساعي استنزافه في عدة جبهات الى معادلة تفعيل الصراع مع الجيش “الإسرائيلي” ومن جبهات مُتعددة.

ثالثاً: يجب الاقتناع بأن تاريخ الصراع بين حزب الله والجيش “الإسرائيلي”، أثبت وجود خطأ لدى تل أبيب في فهم الرؤية التي يعتمد عليها حزب الله في مقاربته للحرب، وهو ما نتج عنه تقديرات خاطئة لدى القيادة العسكرية لخطوات حزب الله وردات فعله، ولعل أحد أهمها كان عدم توقع تل أبيب لقرار حزب الله دخول الحرب في سورية وما نتج عن ذلك من تداعيات.

رابعاً: يتأكد يوماً بعد يوم أن استراتيجية حزب الله في الصراع مع الجيش “الإسرائيلي” هي استراتيجية دفاعية، وتهدف عملياً لخلق موازين الردع ومنع العدوان. وهو ما لا يُناقضه عملياً استخدام الحزب في المستقبل، لتكتيكات عسكرية هجومية لأغراض دفاعية (الهجوم الدفاعي).

الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله

السيد نصر الله يُقدِّر الموقف؟!
عدة إشاراتٍ أدخلت الكيان “الإسرائيلي” في لعبة الحسابات. كلمات دقيقة انتقاها السيد نصر الله، لتُشكِّل رسائل واضحة على أيٍ من السيناريوهات المحتملة. فماذا حمل موقف السيد نصر الله الاستراتيجي؟

أولاً: في محاولةٍ للتأكيد على جهوزية حزب الله، أعاد السيد نصر الله التذكير بالأبعاد الاستراتيجية لتجربة حزب الله القتالية في سوريا. وهو ما نتج عنه بالمُحصلة تثبيتٌ لمعادلات وموازين قوى جديدة. الأمر الذي يعرفه الخبراء الاستراتيجيون والمراقبون لأحجام اللاعبيين الإقليميين خصوصاً لجهة فائض القوة الذي بات يمتلكه حزب الله على الصعيدين العسكري العملياتي والتخطيطي.

ثانياً: لوَّح السيد بمعادلة الجبهات المُتعددة وهو ما له العديد من الدلالات من الناحية العسكرية، وهنا أراد حزب الله التأكيد على أن ما نتج عن الحرب السورية وأبعاد تلك النتائج الإقليمية، تعني أن حزب الله لن يكون بموقع المُستنزف في حال حصلت حرب إسرائيلية، بل إن المعادلات الجديدة تعني إمكانية تفعيل الاستفادة من عدة جبهات عسكرياً أو أمنياً.

ثالثاً: أراد حزب الله التأكيد على التناقض البنيوي الذي يعيشه الجيش “الإسرائيلي”، ففي الوقت الذي تسعى القيادة “الإسرائيلية” لإبراز حجم القوة، يُظهر واقع المجتمع “الإسرائيلي” نقاط ضعف أيديولوجية وديمغرافية تجعله يسقط في أي حرب مُقبلة. وهو ما يدخل في حسابات الحرب الحقيقية كما النفسية.

رابعاً: أعاد حزب الله التأكيد على سيناريو الهجوم العسكري الدفاعي. وهو ما لمَّح له السيد نصر الله عند تذكيره الطرف الإسرائيلي بالمناورات التي قام بها الجيش “الإسرائيلي” والتي حاكت دخول قوات حزب الله الى المستوطنات “الإسرائيلية”،
إذاً بين الحرب النفسية أو الحرب الوشيكة، أدخل الأمين العام لحزب الله الصراع مع الجيش “الإسرائيلي” الى النفق الذي يريده حزب الله، وهو ما يُبرز حجم القدرة التي يمتلكها الحزب في إدارة الصراع مع تل أبيب، لنقول أن العقول “الإسرائيلية” مُحقة في التحيُّر في تقدير الموقف، وبين اعتبار البعض كلام السيد حرباً نفسية، وتشديد آخرين على أنه كلام “من يُخطط لخوض حربٍ يرى أنها وشيكة”، تجد تل أبيب نفسها أمام نتائج واضحة، لقد وضعها السيد نصر الله بين خيارين فقط. إما القبول بالتهديد البنيوي الوجودي، أو الاستسلام أمام معادلات الصراع الجديدة؟!