خاص المحاور

تتميز سورية بأنّها من أقدم الأراضي التي سكنها البشر منذ القدم، فقد تمّ العثور على العديد من الآثار البشريّة العائدة لـ 750 ألف عام قبل الميلاد، كما وجدت بها العديد من المستعمرات والمباني العائدة للعصر الحجريّ، تالتي ما زال بعضها موجود إلى يومنا هذا.

ومع بداية الأزمة السورية عام 2011 تعرضت الكنوز الأثرية السورية لعمليات نهب وتدمير واسعة النطاق، شملت حسب تقرير للأمم المتحدة أصدرته نهاية عام 2014- نحو 300 موقع أثري سوري، وفي مقدمة ذلك الآثار الإسلامية في كافة المناطق السورية، والمدينة الأثرية في تدمر  التي تعد أحد أهم  المواقع الأثرية العالمية، وللحديث أكثر عن هذا الموضوع التقى موقع المحاور الإخباري مدير شؤون المتاحف في سورية محمد نذير عوض.. لنتابع:

معظم الآثار البشريّة في سورية هي في الهواء الطلق.. ما هو حال المتاحف الأثرية وماذ حل بالقطع؟

إلى يومنا هذا المتاحف بخير ولم تتعرض لأضرار بالغة، مع العلم أن بعض المباني متضررة، كمتحف تدمر، ولكن قطعه بخير، كما أن جميع القطع الأثرية التي كانت معروضة لم تتعرض لأي ضرر، وهذا الشيء موثق بفيلم سيتم نشره قريباً تحت عنوان “كيف تمت حماية القطع الأثرية السورية”.

وأنا أوكد أن 90% من القطع الأثرية بخير، ولو قمنا بمقارنة الوضع في سورية بما حدث في اليمن والعراق وليبيا ومصر، نجد هذا الأمر حدث مهم في تاريخ سورية كون 90% من القطع الأثرية بخير.

كيف نقلت القطع الأثرية إلى مكان آمن؟ وعلى أي أساس تم اتخاذ هذه الإجراءات؟

مع بداية الأزمة، بدأت المديرية العامة بإجراءات خاصة جداً.. قمنا بإفراغ خزن العرض وتأمين القطع المتحفية بأماكن ومستودعات آمنة بظروف جيدة وبسرعة، وأغلقت أيضاً المتاحف وأفرغت خزن العرض ونقلت القطع إلى أماكن آمنة، ولكن ظروف العمل لم تكن جيدة هناك بعض المتاحف نقلت تحت وابل من النار والرصاص وفي ظروف خطرة جداً.

وما حال القلاع السورية؟

القلاع تأثرت طبعاً وتضررت ولكن لم تسرق وكلها بخير، أي أن الضرر الموجود حالياً يمكن تعويضه وترميمه، مثال “تدمر” رغم تعرض القلعة لبعض الإصابات في جسمها ولكن يمكن ترميمها، وقلعة الحصن أيضاً تحملت اشتباكات وأضرارها متوسطة حسب تقدير الفنيين وتم إصلاح معظمها.

وأما التقارير التي تحدثت عن سرقة حجارة أو تعرض قلاع للاختفاء، فهي “مبالغ بها وغير صحيحة”، كما أنه لم يحدث أي هدم للقلاع.. القلاع معروفة ويمكن احصاؤها في سورية وإذا كان هناك عملية هدم كبيرة بقلعة لا يمكن وليس من صالحنا اخفاؤها، كما أن ذلك يرى عبر الصور الفضائية، ولا شك هناك بعض إصابات ونحن لم ننكرها، وكل ما يصلنا عن أضرار تعرضت لها القطع الأثرية كالقلاع والمتاحف ننشرها نحن ولا نرى بإخفاء الحقيقة أمر يساعد التراث.

فيما يخص حلب، الأسواق الأثرية التي أُحرقت، هل هناك سبيل لإعادتها إلى الرونق الذي كانت عليه؟

بعد أن حررت مدينة حلب بالكامل، قامت مديرية الآثار والمتاحف بإرسال وفد من المديرية مع اليونيسكو إلى مدينة حلب وقمنا بتقييم الأضرار، ونحن نتحدث عن أضرار كبيرة لأسواق ضخمة طولها 11 كم،  ولكن كمعلومات أولية البنية الإنشائية للأسواق موجودة ويمكن ترميمها وترميم أجزاء كبيرة منها، ونحن هنا في المديرية أرسلنا وفد للبدء بترميم الأسواق.

هناك تقارير تحدثت عن تهدم الأسواق بالكامل.. ما مدى مصداقية هذه التقارير وما هي الحقيقة؟

أحيانا يتم تهويل المسألة، ولكن كي نكون صادقين في تقييم أي ضرر نحتاج إلى كشف ميداني على أرض الواقع عندها تستطيع التقارير أن تتحدث عن حجم الضرر، ولكن الأسواق بخير، لدينا أمل أن الأسواق سترمم وتعود كما كانت، على الرغم من أن هناك أجزء مضررة مهدمة مشوهة ولكن وضعها جيد وبالإمكان إعادتها إلى وضع أجمل.

لصوص الآثار يقومون بسرقة الآثار التي لم تكتشف بعد.. ما المعلومات التي تصلكم عن الآثار في المناطق التي تحت سيطرة المسلحين والجماعات المتشددة؟

الأماكن التي هي خارج سيطرة الدولة نحن نعتمد فيها على المجتمع المحلي ومن الممكن أن نقول إن المجتمع المحلي قام بدوره الإيجابي جداً خلال الأزمة بالدفاع عن الآثار، حيث كان خط الدفاع الأول في حماية الآثار والتراث.

هناك نخبة من المجتمع المحلي يتواصلون مع المديرية ويخبروها بمعلومات عن تعديات وعن مسائل تتعلق بالتراث وعن وضع القطع وأين هي وما تعرضت له، نحن نقدر دروهم لأنهم يقومن بالدور الأصعب حالياً.

وبحسب معلوماتنا، مدينة الرقة تشهد أعمال تنقيب سري ومن الممكن أن تزيد وتيرتها والمعلومات تصلنا عن المواقع التي ينقب بها ويصلنا شرح مفصل عن المنطقة والأعمال التي تشهدها، وفي الرقة ينشط بكثرة لصوص الاثار.

ولكن الخطر يكمن في أننا لا نعلم أي قطع تنتج عن التنقيب السري، وهنا الخطر يكون بسبب التنقيب الهمجي إلذي تتعرض الآثار له لأنها تكتشف من قبل أناس ليش لها علم بالآثار ومن الممكن أن تؤذى القطع.

القطع الآثرية التي سرقت، هل بالإمكان تعقبها وإعادتها؟  

أي قطعة أثرية تظهر في أي سوق أو مزاد علني في أي مكان بالعالم وتصل إلينا معلومات كافية نبذل كل الجهود التي من الممكن بذلها ونتواصل مع المؤسسات المطلوبة لإيقاف بيعها وإثبات أنها قطع أثرية سورية وأنها من حق الشعب السوري، ولكن مسألة متابعة الاتجار الغير مشروع بالقطع الأثرية التي تخرج من التنقيب الثري هي مسألة معقدة وليست سهلة، لأننا لانملك وثائق لهذه القطع وأن نقول بأن القطع تنتقل من بلد إلى بلد هذا الأمر وارد جداً، لأننا من خلال تواصلنا مع كثير من المؤسسات أفادوا بأن الكثير من القطع تسلك طريقاً طويلاً وتشهد تزوير لوثائقها، ولكن لا يمكن لأحد أن يخفي هويتها لأن القطعة التي تخرج من هذه المنطقة لها حضارتها ولا يمكن أن تقول أنها تابعة لحضارة آخرى.

نحن نتابع الموضوع إلى حد كبير ولكن لا نملك الإمكانات اللازمة للمتابعة بسبب الحظر الموجودج، ولكن أي قطع تعرض من المؤكد يمكننا التدخل وأعادتها، والكثير من القطع تم إيقاف بيعها بالمزادات وما زالت بين صد ورد بين أنها قطع سورية.

إلى أي مدى تتأثرون بالوضع السياسي؟

العقبات السياسية تحد من حركة الفنيين القانونيين الذين يطالبون بإعادة القطع إلى مكانها الإصلي ووطنها، كما تواجهنا في هذا المجال الكثير من الأمور كالسفر واقامة العلاقات مع موسسات فهذه المشاكل تبطئ عملنا.

ولكن المنظمات العالمية ساعدتنا كثيراً، حيث أصدرت اليونسكو قرار يمنع الاتجار بالآثار السورية، وأصدرت ضوابط وقوتنين لهذه المسألة، هذا الأمر قيد الشبكات الدولية التي تتاجر بالآثار كونها في الأزمات تنشط على الحدود، وتقدم الدعم للصوص في الداخل.

هل يمكننا انقاذ تاريخ سورية؟

نسعى لاتفاقيات دولية لإعادة التراث إلى أصحابه، ونحن كسوريين نجحنا كثيراَ ومازلنا نعمل بجهد من أجل إعادة القطع الآثرية إلى البلد.

وفي الشق العسكري، نحن نطلب من جميع المؤسسات العسكرية مراعاة الآمور المتعلقة بالتراث والمواقع الآثرية، والجيش السوري يولي اهتماماً كبيراً بالتراث ويحافظ عليه، كما أن الأوامر تعطى وفق هذه الأمور ورغم وجود حرب وساحة معارك في المناطق الأثرية إلا أن التقارير الميدانية تشير إلى الكثير من الأمل.

ونحن نعد الجميع بأن الكثير من الصروح ستعود إلى ما كانت عليه، ونحن بانتظار تقارير تفصيلية وهي تحتاج إلى وقت لكي تصدر لكثير من المنشأت يتم الآن تقييم أضرارها.