نعيم ابراهيم|| المحاور
يتساءل مراقبون عما إذا كان حل حركة حماس للجنتها الإدارية في قطاع غزة، هو تجاوز لآخر عقبة أمام المصالحة الوطنية الفلسطينية؟

لا بد بداية من الإشارة إلى أن حماس أعلنت عن تشكيل لجنتها الإدارية في آذار الماضي، وهو ما اعتبرته السلطة الفلسطينية مخالفة لاتفاق “الشاطئ” الذي بموجبه توصلت فتح وحماس لتشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله.

ما يجري من تطورات متسارعة في المنطقة وعلى الصعيدين الاقليمي والدولي ربما هو الذي يفرض هذا التكتيك الجديد لحركة حماس، خاصة بعد خساراتها الكبيرة على صعيد العلاقات مع دول الجوار الفلسطينية وأبعد من ذلك أيضاً، تحديداً العلاقات مع سورية ومصر والجمهورية الإسلامية في إيران ومع السلطة الفلسطينية وحركة فتح وفصائل تحالف القوى الفلسطينية والخلاف حول قضية “الربيع العربي”.

 يشير إعلان حماس حلّ لجنة إدارة قطاع غزة وموافقتها على إجراء انتخابات عامة بعد دعوتها حكومة الوفاق الفلسطينية إلى ممارسة مهامها في القطاع في الظاهر إلى حلحلة للعقد التي وقفت في طريق المصالحة الوطنية الفلسطينية، لكن التفاصيل التي لم يكشف عنها بعد تدعو إلى التروي وفق مراقبين، فقرار حل اللجنة اليوم لم يكن بالسهل، ولا بد من مقابل له.

 في هذا السياق جاء في بيان لحركة حماس، استجابة للجهود المصرية الكريمة، بقيادة جهاز المخابرات العامة المصرية والتي جاءت تعبيراً عن الحرص المصري على تحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وحرصاً على تحقيق أمل شعبنا الفلسطيني، بتحقيق الوحدة الوطنية، فإن حركة حماس تعلن:

حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة.
دعوة حكومة الوفاق للقدوم إلى قطاع غزة؛ لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فوراً.
الموافقة على إجراء الانتخابات العامة.
استعداد الحركة لتلبية الدعوة المصرية للحوار مع حركة فتح، حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في إطار حوار تشارك فيه الفصائل الفلسطينية كافة الموقعة على اتفاق 2011.

يبدو أن الكرة التي باتت اليوم في ملعب الفرقاء تشكل تحدياً لصدق نياتهم واستعداد الفريقين للعمل في إطار توافقي، سيما وأن العقبة الأساس على مدى سنوات الخلاف الماضية كانت حل اللجنة الإدارية، ولأجل ذلك اختلف الفرقاء كثيراً وطويلاً..
 وكان وفد حماس برئاسة إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة زار القاهرة قبل عدة أيام، وأجرى مباحثات مع رئيس المخابرات العامة خالد فوزي، في حين التقى وفد برئاسة القيادي في حركة فتح عزام الأحمد مسؤولين مصريين.

 حركة فتح على لسان بعض مسؤوليها ، اعتبرت أن ما يجري تداوله من أخبار بشأن قيام حماس بحل اللجنة المذكورة أمرا إيجابيا ومبشرا. غير ان فتح أوضحت أن الخطوة الأولى لاستعادة الوحدة الوطنية هي حل ما تسمى اللجنة الإدارية، وتسليم الأمور في قطاع غزة لحكومة الوفاق الوطني، ليتم بعد ذلك حل القضايا العالقة الأخرى، والتي جرى سابقاً وضع حلول لها كملف الموظفين والمعبر والمصالحة المجتمعية.

 فهل نحن أمام شكل مبدئي للتفاهم أم سياق مصالحة شاملة؟ تؤكد المواجهة السياسية والاعلامية والجماهيرية الحالية بين حركتي فتح وحماس، مرة أخرى، عدم الجدية في الالتزام باستحقاقات المصالحة الوطنية، وأن الوحدة الوطنية الفلسطينية بقيت مناورة وليست خياراً استراتيجياً لدى هذين الفصيلين، في الوقت الذي بقيت فيه القوى والفصائل الأخرى كسيحة لا حول و لا قوة لها، و إلا لما استمر تراجع أولوية القضية الفلسطينية في المحافل العربية والأقليمية والدولية خاصة في ظل الربيع العربي الحالي.

 طريق مسدود علقت به هذه القوى والفصائل منذ عقود زمنية طويلة ويبدو أنه لا سبيل حتى الان و في المدى المنظور على الاقل للخروج منه ما اضطر الشعب الفلسطيني أن ينعى الحوار الوطني الفلسطيني ودفنه في مقابر الخلافات والاقتتال الدموي، رغم أن هذه القوى والفصائل تدرك تماماً أن مصلحة الكل الفلسطيني فوق كل الاعتبارات.

 لا فائدة الآن من سبر غور التجارب السابقة على صعيد الحوار الوطني الفلسطيني قبل وبعد صعود نجم الإسلام السياسي في الساحة الفلسطينية لأن الفشل الذريع كان مآلها كلها ما انعكس مزيداً من المعاناة على الصعد كافة، للشعب الفلسطيني المظلوم.

 لن نكون ملكيين أكثر من الفلسطينيين.. مقولة سمجة وقعت على أسماعنا منذ سنوات طويلة خلت، رددها ولا يزال كثير من العرب والمسلمين وحتى العجم، وأما مناسبتها فكانت توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقات أوسلو مع العدو الصهيوني العام 1983 الأمر الذي أعطى مدلولاً لإمكانية تحقيق سلام مع هذا العدو وانتفاء أسباب الصراع الوجودي ضده.

 وهذا يعني أن وراء الأكمة ما وراءها. وأن إسرائيل نالت شرعية وجودها عبر هجوم كبير من المطبعين والمنهزمين الراكعين أمام استفحال الإرهاب الصهيوني استيطاناً واعتقالاً وتقتيلاً وتشريداً ونهباً وتدنيساً ضد فلسطين الأرض والإنسان.

 مع ذلك وحتى لا تكال الاتهامات لنا ولغيرنا بأننا يئسنا وأن الموت تسرب إلى عقولنا وذاكرتنا وبندقيتنا وأن الوحدة الوطنية الفلسطينية غدت من المستحيلات، سندع الأمل يتسرب من جديد إلى كل بيت فلسطيني في الداخل والشتات مع استمرار المساعي الحميدة لإنهاء الانقسام الفلسطيني– الفلسطيني عسى ولعل أن تثمر الجهود والمبادرات إلى طريق يرسخ الحوار والمصالحة والوحدة على الصعد كافة.

غير أن السؤال هنا هل يكون للمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بكل أشكالها مساحة كافية على طاولة الفرقاء الفلسطينيين ومن يدعمهم لأداء المهمة الشاقة حيث التكاليف عالية ومباشرة والمكافآت غير مؤكدة ومتأخرة.

ومع أن العقبات تبدو كبيرة جداً، فإنها ليست عصية على الحل. ولعل أولها وأكثرها تحدياً هو العقبات الداخلية حيث تهدد الديناميكيات الداخلية على جانبي الانقسام الفلسطيني بجعل الأجندة الوطنية رهينة لتقلبات السياسة العربية الإقليمية والدولية الأوسع في لحظة حرجة تتمثل بمؤامرة الربيع العربي. سننتظر ونرى..