بقلم: بلال مقدسي | قراءة تحليلة في معركة حلب

يوماً بعد يوم يتضح للعالم أجمع أن معركة حلب ليست معركة بين جيش ومسلحين معارضين؛ هي معركة أقطاب دولية، معركة نفوذ إقليمي ومشروع سياسي، لذا دفع سكانها ثمناً باهظاً للحرب التي تدور على ترابها. إذ سقط من الضحايا ما يقارب 300 شخص منذ بداية سريان الهدنة المتفق عليها أمريكياً-روسياً في 27 شباط من العام الحالي.

دفعت المعارضة بكلّ ثقلها إلى حلب وحشدت مايزيد عن 1200 مسلح لهذه المعركة، وفق معلومات استخبارية أدلى بها المتحدث العسكري باسم وزارة الدفاع الروسية، زودت السعودية الفصائل المسلحة بأسلحة نوعية جديدة (مضادات طيران)، وزادت من مخزون مضادات الدروع، فبعد الموقف السعودي الجديد المتمثل بخط الملك سلمان، لم تتوقف شحنات السلاح على مر أيام الهدنة السبع والسبعين عن عبور الحدود التركية إلى ريفي إدلب وحلب.
العديد من التقارير الصحفية ذكرت أن أعداد المسلحين التي دخلت خان طومان تجاوزت 1200 إلى حدود ثلاثة آلاف مسلح، تقدم المسلحون بتنسيق عملياتيّ عالٍ إلى مدينة العيس وتلتها في بداية نيسان الماضي، واستخدموا مضادات الدروع والتغطية المدفعية لأول مرة بتنسيق مع المشاة من المسلحين، وهذا التكتيك الجديد يؤكد بأن دولاً تستخدم الفصائل المتشددة كواجهةٍ في حربها مع الجيش السوري وحلفائه، وتدعم تلك الفصائل عملياتيّاً وتجهيزاً بشتّى الموسائل الممكنة.

اختلّت الهدنة التي لم تكتمل شروطها أصلاً، إذ أن جبهة النصرة لم تكن ضمن الفصائل التي شملتها الهدنة، كما أن معظم الفصائل في المدينة تحالفت مع “النصرة” في تحضيراتها للهجوم الكبير على حلب؛ حيث بدأت الهجمات تستهدف المدينة بدءاً بحي الشيخ مقصود الذي سقط فيه ما يقارب 70 معظمهم شهيداً من المدنيين إثر القذائف الصاروخية و”جرار الغاز” التي استهدفت الحي بشكل عشوائي، والتي تباهى “لواء شهداء بدر” وعدد من الفصائل الأخرى بإطلاقها، “حتى وإن طالت المدنيين” وفقاً لأحد المقاتلين الذي ظهر وهو يلقم مدفعأً محليّ الصنع.

ورغم أن الجيش السوري كان مستعداً لاتمام التقدم في أرياف حلب قبيل “الهدنة الروسية الأمريكية”، لكن القيادة السورية وافقت على الهدنة لإثبات النيات الصادقة في حل سياسي، مع العمل على تدعيم القوات المنتشرة على خطوط التماس بأعداد أكبر. واستمر الجيش وحلفاؤه بالتهدئة رغم الخروقات المستمرة من قبل الفصائل المسلحة، وعزّز مواقعه في المدينة التي تعرضت لهجوم ضخم من جهة حي الراشدين في محاولة لخرق تحصينات الخط الدفاعي الأول، كما عمل على صد عدد من الهجمات في الريف الشمالي؛ هجمات تبين لاحقاً أنها كانت في إطار التمويه على الهجوم الأساسي على خان طومان.

الهدنة المزعومة وفّرت فرصة لا تقدّر بثمن للنصرة وحلفائها، لا سيما من عبر حشد المقاتلين والذخائر وإعداد الخطط؛ حيث بدأت حملات التحشيد في سورية وخارجها بقيادة الداعية السعودي المحيسني، تحت عنوان “أنفر” والتي انضمّ لها قيادات في تنظيم القاعدة وقيادات من الفصائل كافة، وبحسب المعطيات الواردة فقد انضم مايقارب 1700 عنصر لهذه الحملة، تقاسمت السعودية وتركيا الدعم اللوجستي والعسكري والاستخبارتي لهم.

لم يكن حي الشيخ مقصود وحيداً في الكارثة، إذ أن المعارضة استهدفت معظم الأحياء الغربية فسقط من الشهداء أكثر من 150، كما تعرضت أحياء السليمانية والإذاعة وجمعية الزهراء والموكامبو والأشرفية والحمدانية، لعشرات القذائف يومياً، وفي إحصائية أعدّها موقع المَحاور الإخباري تبين أن عدد القذائف العشوائية على أحياء حلب تجاوز 328 قذيفة منذ بداية التصعيد العسكري الكبير للفصائل المتشددة في 23 نيسان.

دمرت مساجد ومسشفيات، ولازال الروس والأمريكيون متمسكين بهدنةٍ لا وجود لها لا على أرض الميدان ولا حتى في أذهان القطبين الأمريكي والروسي نفسيهما؛ حيث أن الهجمة السعودية المنسقة تركياً مع مسلحي الداخل السوري بدأت مع بداية شهر أيار الجاري، بأعنف شكل لها عند أبواب خان طومان جنوب غرب حلب وعند خطوط التماس في حي الراشدين مجدداً. حجم العمل العسكري الكبير والأعداد التي شاركت فيه، يوحي بأن المعركة ليست لخان طومان بل كانت معركة لفتح ثغرة باتجاه السيطرة على مدينة حلب بالكامل، لكسب عاصمة للمعارضة وكسب ورقة وازنة ورابحة في أي مفاوضات قد تجري للحل السياسي.

للوهلة الأولى يبدو أن سقوط خان طومان بيد “جيش الفتح” المكون من “النصرة” و”الأحرار” و”نور الدين الزنكي” و”جند الأقصى” هو انتصار عسكري هائل، لكن الحقيقة بأن الخطة السعودية التركية للسيطرة على حلب سقطت عند باب طومان، حيث استطاع الجيش والحلفاء إيقاف الهجوم وتثبيت خطوط دفاع جديدة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن الخطوط القديمة، كما أنه ثبت قواعد نارية ليسيطر على البلدة نارياً بشكل كامل. إذ أنه لا فائدة من مدينة أو قرية تسيطر عليها دون أن تستطيع تثبيت القوات فيها.

في مواجهة هذه الهجمة الكبيرة صرح الروس بأنهم لا يستطيعون الضغط على الحكومة السورية في هذه الاوقات لأن حلب تتعرض “لجوم إرهابي كبير”، صحيح بأن الروس متحالفون مع النظام السوري لكن ليس بالحلف العقائدي الذي يناصر فيه الطرف حليفه بكل الأحوال، وموقف الحكومة الروسية بدا بشكل أوضح بعد سحب معظم قواتها من سوريا ميالاً لحل الأمور سياسياً وبدعم الحكومة حتى تبقى متماسكة دون الذهاب بعيداً في المشاركة العسكرية للقضاء على المسلحين، مما يضمن لروسيا مكانة عالمية في النظام الدولي.

لم يعتمد الجيش السوري والحلفاء على المراوغات السياسية الدولية لحفظ حلب، بل استقدموا أعداداً أكبر من القوات، وحصّنوا الدفاعات بأعداد أكبر من العسكريين، وبدأ التحضير لعمل ضخم قد يبدأ بقطع طريق إمداد المعارضة إلى مدينة حلب عبر الكاستيلو وقد تكون نقطة انطلاقه من خان طومان، كل الخيارات مفتوحة والأيام القادمة تحمل في طياتها بداية الحرب ونهاية معركة.

وفّرت الولايات المتحدة الأمريكية دعماً هائلاً للفصائل المسلحة عبر غطاء جوي ومعلومات استخبارتية في الريف الشمالي في مواجهة داعش، لكن في مواجهة الجيش السوري حَكَمَت موازين القوى بدعم استخبارتي أمريكي دون الجوي، والذي كان له دور مهم في تنسيق العملية العسكرية للمعارضة بالتعاون مع الأتراك، ذلك في إطار تحصيل مكاسب سياسية معتبرة من بوابة حلب قبل رحيل الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

في العلن يدعو الأمريكيون إلى التهدئة، ويبحثون مع الروس المصالح المشتركة في حلب، والتي تقضي في هذه الأيام تثبيتاً جديداً للهدنة، في الوقت الذي تُظهر فيه الأطراف الدولية بأنها صاحبة الهم الإنساني على سكان حلب، أما ميدانيّاً، فلا يبدو من خلال تجربة الأيام السابقة أن التمهيد للحل السياسي لا زال على قائمة الأولويات في المدى المنظور، لكنها تبدو أكثر وكأنها استراحة محارب قبل المعركة الحقيقية القادمة -معركة السيطرة على حلب وريفها بشكل كامل- في نهاية تلك المعركة تبدأ الحلول السياسية وتميل لمن كسب الشهباء ودخلها منتصراً.