بقلم: جواد مشهدية | خاص موقع المحاور

يبدو أننا سنبقى متأخرين نعمل في إطار ردود الأفعال على الحملات المرسومة بعناية والتي تستهدف إشعال الفتن، وخاصة الطائفية.

هذه حال إعلامنا المقاوم بكل قنواته في المرحلة الماضية، وهذه الحال التي ظهر عليها عند تصديه لحملة تجويع مضايا وربطها بكفريا والفوعة؛ التي قادتها قنوات التكفير والتي ظهر جلياً أنها حملة مخطط لها متناسقة بنيت على وقائع وصور مفبركة، ولم نتمكن من اكتشاف خطورة الحملة لدرجة أن بعض الأحزاب والقوى المحلية شاركت فيها بوعي وإرادة، حتى فوجئنا بحجم التجييش الإعلامي لها عربياً ودولياً وردود الأفعال السياسية الناجمة عنها.

المؤلم أن مقدمات المخطط ظهرت عقب الاشتباك السعودي الإيراني، حيث لم يترك السعوديون فرصة بل صوروا الخلاف على أنه ذو بعد طائفي “صراع بين حماة الحرمين رعاة السنة ضدَّ إيران الشيعية، مصدِّرة الثورة، ناشرة التشيُّع، سبب أزمات كل المنطقة”!

عقب فشل السعودية بمخططها لتغير المشهد السياسي في سورية والعراق، وفشلها الذريع في اليمن بفعل الدعم الإيراني الجاد لهذه الدول، وبعد فشل السعودية في إنشاء تحالف سني ضد الشعب اليمني لم يعد أمام السعودية سوى محاولة إشعال المنطقة بفتنة طائفية، وهو ما فشلت فيه سابقاً، فأتى إعدام الشيخ النمر بهذا المنحى معتقدة أن الأمر مختلف هذه المرة وخاصة بعد أن أتت

البشارة الأولى بنجاح المخطط بانجرار أحد التيارات الإيرانية المفاجئ ومبادرته لمهاجمة السفارة والقنصلية السعودية في كل من طهران ومشهد عقب تنفيذ السعودية لهذه الجريمة.

ردَّ فعل هلَّل له الإيرانيين لساعات معتبرين أنه انتصاراً، ليتضح أنه أحد الأخطاء النادرة للدبلوماسية الإيرانية؛ تصرف دفعها لتقديم اعتذار علني ووعود بملاحقة الفاعلين ودفعها لتكون في موقع المدافع قبال الحملة السعودية التي استغلت الهجوم خير استغلال لتصدر الإدانات الخليجية والعربية والدولية، ولتبدأ حملة قطع العلاقات مع إيران تضامناً مع السعودية، إلا أن استفاقة الدبلوماسية الإيرانية مكَّنها من تفريغ الحملة وإعطائها بُعدها الواقعي.

كما أن الرغبة الدولية بعدم جر المنطقة إلى حرب؛ خوفاً من تأثيراته على إمدادات النفط أضاف إلى ذلك الرغبة الأمريكية بعدم وقوع ما يعطِّل الاتفاق النووي، ساعد على هذه التهدئة إلا أن السعوديين لم يرتاحوا لهذه النتائج فأعلنوا على عجالة تشكيل تحالف دولي وهمي لمحاربة الإرهاب  لدعم الاندفاعة، وعمدوا إلى اصطناع اشتباكات جانبية وإلباسها لبوساً طائفياً، وتلك كانت الخلفية وراء الحملة الإعلامية المنسقة للترويج لـ”تجويع المدنيين في مضايا من قبل حزب الله الذي يحاول فك الحصار عن الشيعة في كفريا والفوعة في مقابل رفع الحصار عن مضايا” كما صوروا في حملتهم.

الحقيقة الحرب المفروضة على سورية هي حرب بين محورين؛  المقاومة؛ التي اعتبرت إسرائيل العدو الوحيد وأعلنت حربها المقدسة لتحرير الأراضي المحتلة وتطهير فلسطين من الصهاينة، ومحور المتحالفين مع أمريكا؛ رعاة الإرهاب الذين اعتبروا إيران هي العدو وتصادقوا مع إسرائيل لقتالها ولم يجدوا غير العصب الطائفي وسيلة لترسيخ ممالكهم فقاموا برعاية المجموعات التكفيرية، ابتداء من القاعدة وليس انتهاء بداعش، واستثمروها في تدمير الأنظمة التي تدور في فلك المقاومة تحت يافطة نشر الديمقراطية وتحقيق رغبات الشعوب، كل ذلك من دول تفتقر للحد الأدنى من هيكلية الدولة ولمؤسسات منتخبة شعبياً.

المجموعات التكفيرية التي رعتها السعودية افتقرت في قتالها للحد الأدنى من الإنسانية فقتلت بلا شفقة أو رحمة ودون تميز، وهي أول من أقدم على حصار المدنيين وتجويعهم وتعريضهم للقصف العشوائي دون تميز لانتمائهم الديني أو العرقي أو الطائفي، عشرات الشواهد ومئات آلاف المدنيين المحاصرين بمدن، كدير الزور ونبل والزهراء، حصار دام لسنوات وتسبب باستشهاد المئات لنقص الغذاء والدواء أو بفعل القذائف العمياء.. كل ذلك تحت سمع وبصر المنظمات والمؤسسات الدولية الإنسانية وسكوتها المطبق، حتى صار خبر الحصار والقتل عابراً، وكل ذلك وإعلامنا المقاوم المسؤول المباشر عن فضح هذه الجرائم يعيش حالة ضياع.

القلمون شهد قتالاً واحتضاناً للمسلحين منذ بداية الأزمة ولم نشهد أي إدانة لاستخدامهم المدنيين كدروع وتجويعهم من قبل فصائل المسلحين إلا أنه وبعد الحملة الناجحة التي قام بها الجيش وحلفاؤه لاستعادة تلك المناطق، ووصل الأمر لبدء اقتحام الزبداني شدَّد المسلحون حصارهم على كفريا والفوعة وتمَّ استهدافها بهجمات متعددة، معلنين أن سقوط الزبداني حتماً سيقود لاقتحام المدينتين أي أن المسلحين هم من بدأ المقايضة، وخوفاً على المدنيين تمَّ توقيع اتفاق الزبداني- كفريا؛ الذي أٌفشل تركياً وسعودياً عدَّة مرات، ثم حدث ارتفاع في منسوب التوتر السعودي الإيراني فبدأ استثمار الحالة طائفياً.

المسلحون في مضايا وغيرها هم من احتكروا المواد باعتراف المدنيين، وهم من أطلقوا المقايضة، وهم من تسببوا بتجويع الآمنين في كل المناطق، والتأخير في نشر الحقائق..

كما أن الضعف في تناول قضايا الحرب وإرهاب التكفيرين خطأ مازلنا مستمرين فيه، وثغرة يتسلل من خلالها رعاة الفتنة لإضعاف اللحمة الداخلية، وهو قصور يجب الاعتراف به حتى نتمكن من التغلب عليه، وعدم إظهار حقيقة الإرهاب ومقارعة رعاته إعلامياً بشكل يومي وكشف فساد القنوات الراعية له وفضح جرائم التكفيريين بحق المدنيين بشكل مستمر سيعني أننا سنبقى تحت رحمة الإعلام المغرض وتحت رحمة حملاته التي لم تتوقف يوماً، والتي تحظى بآذان صاغية من بعض الجهال وسنبقى في موقع المدافع إلى أن يأتي من يحرر إعلامنا من قيوده.