في وقت تسير فيه طهران ضمن سياستها واثقة الخطى، يتخبط الأمريكيون على الصعيد الداخلي بين محاولٍ لمنع حصول أي عقبة قد تُفشل تنفيذ الإتفاق النووي، وبين رافض للمضي قُدماً في السياسة الأمريكية الراضخة لتعاظم نفوذ إيران.

وفي الحالتين يبدو وبوضوح حجم التخبط الداخلي الأمريكي، فيما نخلص لنتيجة مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استطاعت فرض ما تريد بغض النظر عن محاولات الغرب، لا سيما واشنطن، لكيل الإتهامات أو تشويه السمعة الإيرانية.

وهنا فإن قرارات الكونغرس للتضييق على إيران عبر قانون تأشيرة الدخول أو محاولات بعض أعضاء مجلس الشيوخ الدفع لتأخير تنفيذ الإتفاق النووي كلها محاولات لن تصل لأي نتيجة، والسبب في ذلك هو السعي الأمريكي الواضح رسمياً لإسترضاء طهران، فكيف يمكن وصف التخبط الأمريكي؟ وما هي دلالاته السياسية؟

أولاً: بين التَّصعيد الإيراني وسعي واشنطن للطمأنة:

أكَّدت إيران على لسان وزير خارجيتها أنه إذا تم تطبيق قانون التأشيرات الأمريكي فإن ذلك يُشكل نقضاً صريحاً لـ”خطة العمل المشترك الشاملة”، لكن إذا ما قامت الإدارة الأمريكية باستخدام صلاحياتها، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي فإن ذلك لن يحول دون تنفيذ الخطة، وبالتالي فإن موقف إيران الحالي هو الانتظار ليتبين كيف سيتم العمل بهذا القانون.

من جهة أخرى أعربت الخبيرة السياسية الأمريكية باربارا سلافين عن أسفها لإصدار الكونغرس أمريكي قراره الأخير بخصوص التأشيرات، وأكَّدت أن “القرار لن يخل بتنفيذ خطة العمل المشترك الشاملة بين إيران ومجموعة ٥+١”، واعتبرت سلافين خلال حديثها لمراسل “أرنا” أن “هذا القرار قد يعقد العلاقات بين إيران وأمريكا”، وأكدت سلافين أن “الحكومة الأمريكية لديها صلاحيات تجميد القرار لكي لا يتعارض مع الإتفاقية ولا يُعرِّض المصالح الإيرانية للخطر”، ونوَّهت إلى أن “الحكومة تمتلك أدوات أخرى لتهميش القرار؛ من بينها إصدار تأشيرة مكررة لعشر سنوات وكذلك اتخاذ إجراءات سريعة في إصدار التأشيرات”.

ثانياً: دلالاتٌ وتحليل:

بين كلام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف كممثِّلٍ رسمي للطرف الإيراني، وبين السعي الأمريكي لطمأنة طهران، العديد من الدلالات والتي تعني كثيراً على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهنا نُشير للتالي:

– استطاعت إيران إعادة الكرة إلى الملعب الأمريكي، وبطريقة دبلوماسية، ومن خلال رفع مستوى الخطاب، وإن بقي هادئاً على الطريقة الإيرانية، فالسعي الأمريكي المُعتاد لفرض شروطٍ قد تكون بنظر واشنطن تخدم مصلحة أمنها القومي هو ليس إلا محاولات لا تنطلي على العقل الفارسي، والذي يعرف جيداً سلوك الآخرين السياسي، لا سيما واشنطن.

– وهنا فإن السعي الأمريكي لمنع توتر العلاقة مع طهران، واضحٌ لا مجال لتخطيه، ولعلَّ السعي الأمريكي لذلك يعود للمصلحة الأمريكية الحالية في المضي قدماً في الإتفاق النووي إلى جانب الضرورة التي باتت تؤمن بها واشنطن والقائلة بأهمية الدور الإيراني في الإقليم والعالم، وهنا فإن المصلحة الأمريكية هي التي تُحتم السعي خلف الطرف الإيراني، فيما يعرف الجميع أن الموقف الإيراني من واشنطن لا يتعدى حدود تأمين الحقوق لإيران دولةً وشعباً دون التنازل عن المبادئ أو المقايضة على مصلحة أي من الشعوب.

– لذلك فإن كلام وزير الخارجية الأمريكي عبر الرسالة التي بعث بها لنظيره الإيراني سعت لطمأنة طهران بأن وزارة الخارجية الأمريكية لن تسمح لقانون التأشيرات الجديد أن يخل بعملية تنفيذ خطة العمل المشترك الشاملة الخاصة بالإتفاق النووي بين إيران ومجموعة دول ٥+١، وهو ما يعني أن واشنطن قد تستثني طهران من القرار، لكن الرد الإيراني كان واضحاً بأن الكلام الدبلوماسي لا يمكن أن يُحدد المستقبل إنما القيام بإبطال ذلك عملياً، وهو ما أكده وزير الخارجية الإيراني.

إذن مرةً جديدة تؤكِّد الدبلوماسية الإيرانية نجاحها في تصويب السياسات لما فيه مصلحة الشعب الإيراني والخطوط الحمراء لمبادئ الثورة الإسلامية، والتي يُحدد معالمها القائد الإمام الخامنئي. فيما يبدو واضحاً حجم التخبط الأمريكي على الصعيد الداخلي، لا سيما بين أعضاء مجلس الشيوخ وآخرين في وزارة الخارجية.

وبالنتيجة، فإن إيران غير معنية بما يجري في الداخل الأمريكي بل هي التي تُحدد المستقبل بناء على التطورات القادمة، فلا أحد يستطيع فرض الشروط عليها حتى وإن كانت أمريكا، بل إن التعاطي الإيراني مع واشنطن ينطلق من أنها طرفٌ عدوٌ يجب الحذر منه، وبين التخبط الأمريكي والمستقبل إيران هي التي تحدد الخيارات.

المصدر: وكالة فارس