رضا الرضا|| خاص المحاور

تقع منطقة الحولة في الريف الغربي لمحافظة حمص، ولا يُطلق هذا الاسم على قريةٍ أو بلدةٍ في تلك المنطقة –كما يعتقد البعض- إلّا أنّ هذه التسمية أُطلقت على المنطقة الجغرافية التي تضمّ عدّة قرى وبلدات منها تل دو – كفرلاها – تلد دهب – الطيبة الغربية، وهي بلداتٌ كبيرة من حيث العمران ومتجاورةٌ مع بعضها بالنسبة للموقع.

خرجت منطقة الحولة بالمجمل عن سيطرة الدولة السورية مع بدايةِ الأحداث، وذلك عقب عدّة مظاهرات ما لبثت أن انتقلت سريعاً إلى العمل المسلح والهجوم على الحواجز والمراكز العسكرية والأمنية الموجودة في المنطقة، وعندها فرض الجيش السوري طوقاً حول سهل الحولة وخصوصاً أنّها مع تماسٍ مباشرٍ ببعض القرى الموالية المجاورة.

تتصل منطقة الحولة مع ريف حمص الشمالي عبر “معبر قرية كيسين” وهو معبر ضيّق يمرّ قرب نهر العاصي الذي يضطّر مسلحو المنطقة لقطع أحد فروعه أثناء الانتقال من وإلى الريف، في حين تُشرف على هذا المعبر قرية كفرنان من جهة الجنوب وقرية الزارة من جهة الشمال وهما قريتان كان للجيش السوري فيهما نقاط وحواجز للحدّ قدر المُستطاع من تنقّل المجموعات المسلحة، وهو ما دفع الأخيرة –رغم أنّ الزارة تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة حماه- إلى الهجوم على القرية والسيطرة عليها عام 2016 وذلك بهدف زيادة تأمين المعبر وخفض نسبة استهدافه من قبل الجيش السوري.

شهدت منطقة الحولة منذ حوالي 8 أشهر اتفاقاً بين الحكومة السورية ومسلحي المنطقة يقضي بوقف إطلاق النار وإدخال مساعدات إلى القرى والبلدات وفتح معبر قرية السمعليل أمام المدنيين للدخول والخروج من المنطقة، وكانت هذه الاجراءات مقابل أن يقوم مسلحو الحولة بتسوية أوضاعهم وتسليم السلاح وخروج من يرغب بالخروج إلى المناطق الشمالية وذلك بعد ستة أشهر من بداية الاتفاق، إلّا أنّ المسلحين ورغم التزام الحكومة السورية بشروطها لم يَفُوا بوعودهم، فقامت قوات الجيش بإعادة إغلاق معبر السمعليل أمام الحركة المدنية، لتعود الحولة وما يفوق 150 ألف مدني يسكنها تحت رحمة المسلحين وإلى حالة الحصار التي كانت سابقاً بفعل تعنّتهم.

والآن وفي ظل الحراك السياسي الذي تشهده مدينة حمص والذي كانت أولى نتائجه توقيع اتفاق حي الوعر وبِدأ تطبيقه بخروج دفعتين من المسلحين إلى جرابلس الحلبية واستمرار خروج الدفعات على امتداد شهرين، هل ستكون الحولة هي الوجهة الثانية للحلول السياسية؟ وهل ستطرق المصالحات بابها بعد الوعر؟

لابدّ بدايةً من استعراض المشهد العام للمنطقة بجوانبها العسكرية والمدنية والاجتماعية، لنخلُص إلى احتمالية انتقالها إلى مسار الحل السياسي في الفترة القادمة.

أولاً وبخصوص الجانب العسكري لا يمكن اعتبار منطقة الحولة بموازةِ ريف حمص الشمالي من حيث تنفيذ الأعمال العدائية أو الهجومية، وذلك بغضّ النظر عن أنّها منطقةٌ خارجةٌ عن سيطرة الدولة وتضمّ الكثير من المسلحين الذين لهم محارسهم وحواجزهم ونقاطهم كما معظم خطوط التماس، وبغضّ النظر أيضاً عن القدرات التي يمتلكوها والمتوفرة لهم والتي تصلهم، كما لا يمكن اعتبار جبهات الحولة جبهات مشتعلة مقارنة بجبهات تلبيسة وتير معلة والسعن في الريف الشمالي.

أمّا من الجانب المدني فإنّ عدد السكان الذين كما ذكرنا يفوق 150 ألف نسمة ويقتصر توزعهم على سبعة قرى فقط تمتد على مساحة لا تتجاوز 110 كلم2 بخلاف الريف الشمالي الذي يمتد على ما يزيد عن 360 كلم2 وذلك –أي عدد السكان والمساحة الضيقة- يُسهم بأن يكون مسلحو المنطقة حذرين من أيّ عمل قد تؤثر تبعاته ليس فقط عليهم وإنّما على المدنيين الذين يتخذونهم دروعاً بشرية.

وأخيراً من الجانب الاجتماعي والمعيشي فقد قامت الأمم المتحدة والهلال الأحمر على امتداد الأشهر الماضية بإدخال العديد من قافلات المساعدات والمواد الإغاثية إلى المدنيين الموجودين في الحولة إلّا أن هذه المساعدات لا يمكن أن تكفي لجميع سكّان المنطقة، وكما ذكرنا آنفاً لا يوجد أيّ معبر للحولة على محيطها باستثناء معبر كيسين إلى الريف الشمالي، وبما أنّ الريف محاصرٌ أيضاً مثله مثل الحولة فإن مدى الاستفادة من هذا المعبر يقتصر على نقل حالات المرض والإصابات التي لا يؤمن لها العلاج في الحولة، ولا يمكن أن نعتبره شرياناً اقتصادياً مُغذّياً للمنطقة.

جميع ما ذكرناه من استعراضٍ للمشهد بالإضافة للعوامل اللوجستية والعسكرية، سيُسهم بأن يكون حراك المصالحات أكثر نشاطاً في تلك المنطقة، ولعلّه بدأت بوادره بالظهور بالتزامن مع ضمان أن اتفاق الوعر على السكة التي وضع عليها، حراكٌ لا يجب أن يقتصر على فعالية النشاط الحكومي فحسب بل من المُفترض أن يلقى دعماً وسنداً من الفعاليات الاجتماعية في قرى الحولة لتكون على الطريق الآمنة للعودة إلى الوطن.