بقلم: عمر معربوني 

يبدو جلياً وواضحاً ما تقوم به وحدات الجيش السوري في الفترة الأخيرة خلال تنفيذ عملياتها في أغلب الميدان السوري، حيث السيادة لتكتيكات العزل والشروع في اكمال الطوق مع ترك ممّر تراجع اجباري للجماعات المسلحة للتراجع من خلاله، وهو تكتيك يؤدي الغرض المرسوم بدقّة ضمن مسار العملية الكبرى التي اطلقها الجيش بالتوازي مع الدخول الروسي على خط المعارك.

إنّ التوازي بين اطلاق العملية الكبرى والدخول الروسي يعني أنّ مرحلة طويلة من التحضير بدأت قبل الشروع بتنفيذ العمليات، وأن قراءة متأنية لخرائط السيطرة قد تمّت، وأنّ آليات الخطط التفصيلية قد استكملت، إضافةً الى وجود الخطط الإحتياطية المتحركة مع توفير اللازم من التقنيات لمنظومة القيادة والسيطرة المشتركة.

ان نتائج العمليات التي حصلت خلال ثلاثة اشهر تؤكد صحة توقعاتنا حول العناوين الرئيسية لمهمة الجيش، وهي:

1- اعادة ربط المدن الكبرى ببعضها عبر الطرقات الرئيسية، وهذه المهمة هي النتيجة المباشرة التي ستنتج عن المرحلة الأولى من العملية الكبرى.

2- اطلاق سلسلة عمليات عسكرية في كل الجبهات بشكل شامل تحت عنوان العمليات المتناغمة والمتكاملة، لإجبار الجماعات المسلحة على القتال كل ببقعته. وما أعنيه بالمتناغمة هو التأثير في كل الجبهات المتقاربة والمتداخلة، وغالبًا ما تتم هذه العمليات عبر فتح ممرات في ارض العدو على شاكلة رأس سهم مع تحقيق هوامش ونطاقات أمان واسعة له، كما حصل ويحصل في عملية تحرير مطار كويرس والعملية اللاحقة نحو مدينتي تادف والباب وهي عملية باتت مؤكدة وقاب قوسين أو أدنى.

3-عمليات السيطرة على التلال الحاكمة عبر القضم البطيء والإستخدام الكثيف لوحدات النخبة بمجموعات إغارة وتسلل في المرحلة الأولى، واستخدام التقدم الخاطف عبر قوات كبيرة تسبقه كثافة نارية على شاكلة صب ناري هائل ومشترك من سلاح الطيران والمدفعية والدبابات، لكسر خطوط الدفاع المتتالية عبر حزم الصب الناري المركز، وهو ما حصل في عمليات ريف اللاذقية الشمالي، وأدى الى تحرير مدينة سلمى أحد أهم نقاط ارتكاز الجماعات المسلحة، والتي تعتبر بمثابة احد اهم الأيادي التركية الطويلة داخل الأراضي السورية، وقد تم بترها بشكل نهائي بانتظار استكمال بتر اليد الأخرى في معقل ربيعة الذي بات مطوقًا من ثلاث جهات، وهو ما حصل مع بلدة سلمى قبل تحريرها.

4-التقدم بتشكيلات عسكرية كبيرة، وهو ما يحصل في ريف حلب الجنوبي الغربي وهي عمليات تتم في ارض شبه مفتوحة تتقدم فيها القوات الى التلال الموجودة في محيط منبسط من جهتين، وتعمل غالباً على الإلتفاف عليها وتطويقها وتتمركز بالقرب منها لفترات قصيرة، ويتم اشباعها بالنار ثم تتم عمليات السيطرة بشكل سريع ضمن لحظات الصدمة التي يعيشها افراد الجماعات المسلحة، وهذا النوع من التكتيكات ادى في ريف حلب الجنوبي الغربي ليس فقط إلى تحرير مساحات كبيرة من الأرض، إنما بات يمكن للجيش إطلاق أكثر من اتجاه هجوم نحو الشمال والغرب والجنوب، رغم أنّ الجيش اختار حاليًا اتجاه الشمال نحو غرب حلب لربط قواته المتقدمة شمالًا بقوات اخرى متواجدة عند منطقة الزهراء واخرى على مشارف حلب الجديدة، وهي قوات صمدت لفترة طويلة على مدار السنوات السابقة، علماً بأنّ الجيش يمتلك قدرة التوجه غرباً نحو تفتناز وصولاً إلى كفريا والفوعة، وجنوباً نحو ابو الضهور وسراقب بعد استكمال مرحلة التثبيت الضرورية ضمن ارض شبه مفتوحة سيكون عبورها عند اتخاذ القرار سريعاً وحاسماً.

5-شكل آخر من العمليات يحصل في الميدان السوري، وهو ما نشاهده في ريف حمص الشمالي وريف حماه الجنوبي الشرقي والغربي، حيث يتم احكام الطوق على تلبيسة والرستن ومنطقة سهل الحولة من خلال سيطرة الجيش سابقاً على قرى في ريف حماه الجنوبي الشرقي كجنان والرملية وزور السوس وغيرها، وهي عملية تكاملت لجهة اغلاق الممرات الى تلبيسة والرستن مع السيطرة السابقة على معابر الدار الكبيرة وتير معلة، مع الإشارة إلى أنّ العمليات الحالية في محيط سهل الحولة ستؤدي الى تراكم السيطرة على هذا المحيط.

إذا ما تابعنا مناطق العمليات النشطة، فإننا نلاحظ أنّ عمليات أرياف حمص وحماه هدفها لاحقاً هو فتح الطريق بين حمص وحماه، وكذلك الأمر بالنسبة لعمليات ريف حلب الجنوبي الغربي التي ستستكمل جنوباً لتحقيق الربط بين حلب وحماه وإحكام الطوق على ريف حماه الشمالي وادلب وأريافها، خصوصاًأنّ الوصول الى جسر الشغور بات مسألة وقت.

هذه العمليات المتناغمة، رغم التباعد الجغرافي بينها، ستؤدي إلى النتائج التي ذكرناها لتكون معركة ادلب إحدى أكبر المعارك القادمة، ولكنها لن ترقى الى تسمية أم المعارك التي تحتفظ بها حلب وستحصلعاجلاً أو آجلاً، وتشكل مفصلاً اساسياً وحاسماًفي تاريخ انتهاء الحرب على سورية.

المصدر: بيروت برس