نعيم ابراهيم|| خاص المحاور

يقترب تاريخ 25 أيلول 2017 وينتظر الرأي العام ما يمكن أن يجري من مأساة جديدة سوف تحل على الأمة العربية، تتمثل بولادة كيان جديد قد ينتزع بعملية قيصرية ينفذها بنو صهيون وحلفاؤهم في جسد الدولة العراقية تحت مسمى استفتاء استقلال إقليم كردستان عن جمهورية العراق، دولة كردية مستقلة في شمال العراق بعد دولة جنوب السودان التي سرقت في وضح النهار من الوطن الأم، جمهورية السودان.

والحبل على الجرار إذا ما استمر الهوان والخذلان والاستسلام لمشيئة العدو الصهيوني الإمبريالي الرجعي ومشروع تقسيم وتفتيت الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.

بعد اجتماع حزبي للأحزاب الكردستانية عدا حركة التغيير والجماعة الإسلامية، في حزيران الماضي، وبمرسوم رئاسي مليء بالأخطاء الإدارية الفنية والنقص بتفاصيل التسلسل المرجعي للصلاحيات المخولة والأسباب الموجبة الكردستانية والعراقية والأممية لصدور القرار، أصدر الرئيس المنتهية ولايته للإقليم المرسوم المرقم (106) في 8\6\2017 المتضمن قرار اجراء الاستفتاء بتاريخ 25\9\2017، ‏وتنفيذه من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لممارسة حق تقرير المصير لشعب كردستان، وحدد إجراء الاستفتاء في الإقليم والمناطق الكردستانية خارج إدارته، وحسب رد توضيحي ان العملية تتضمن الجواب على سؤال واحد هو: هل توافق على استقلال الإقليم والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم وإنشاء دولة مستقلة؟ والجواب بنعم أو لا، و‏تم تكليف المفوضية العليا للانتخابات بالعمل من أجل تهيئة الظروف لمشاركة الجاليات الكردستانية المقيمة خارج الإقليم في عملية الاستفتاء.

إذن، مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ أكثر من عشر سنوات، مصمم على إجراء الاستفتاء وإعلان قيام دولة كردية مستقلة، و كأنه يقول للجميع سوف أساعد على انتشار الإرهاب والفوضى وهي أسلحة أمريكية صهيونية لإيجاد الظروف والمناخات المواتية لفرض هيمنتها الاستعمارية على الدول العربية عسكرياً وأمنياً، ومن ثم اقتصادياً وسياسياً بحيث يتحقق هدف الشركات الرأسمالية الأميركية والغربية في السيطرة على ثروات النفط والغاز وبالتالي التحكم بأهم وأكبر مخزون من موارد الطاقة في العالم، وصولاً إلى تعويم مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم ومنع ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.

لا شك أن البرزاني يهرب إلى الأمام من خلال دعوته المذكورة ليتهرب من المساءلات القانونية حول نهاية مهلته الرئاسية للحزب الكردي والمشاكل الداخلية التي تواجه إقليم كردستان العراق، الأمر الذي أدخل المشهد السياسي للإقليم في غموض دون أن تتفق الفصائل المتنافسة على تمديدها، رغم تدخل في اللحظة الأخيرة من دبلوماسيين بريطانيين وأمريكيين.

ولم يقدم أي حزب مرشحاً بديلاً للمنصب، لكن عدة فصائل رفضت تمديد ولاية البرزاني، ما لم يتغير النظام السياسي ليقلص سلطات منصبه، فيما يرفض الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو أكبر وأقوى الأحزاب في الإقليم هذا التحرك لأنه أكثر من سيخسر بسببه.

وفي حين أن من الطبيعي توقع معارضة العراق لهذه الخطوة كونها تقوّض نفوذ السلطة العراقية من جهتها، وتقلل من مساحته من جهة ثانية، كان من المستغرب ترحيب العدو الصهيوني ودفعه على لسان رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، الغرب إلى الإعلان عن دعم خطوة استقلال الإقليم ما يدلل على احتمال اتساع دائرة الفتنة التي تجري في العراق، و المراقبون يلاحظون كيف يضحك “نتنياهو” ملء شدقيه فرحا بخطوة البرزاني كما ضحك كثيراً عندما تم الإعلان عن دولة جنوب السودان.

غير أن هذا الطموح الكردي المراد بلوغه من وراء تحديد موعد لإجراء الاستفتاء في 25 أيلول سبتمبر الجاري قد لا يكون ممكناً بلوغه حتى ولو تم إجراء الاستفتاء وجاءت نتائجه مؤيدة للانفصال عن العراق وإعلان قيام دولة كردية مستقلة، لا بل يمكن القول بحسب متابعين، إنه قد يكون مستحيلاً بسبب العديد من العوامل:

أولاً: رفض جميع الدول المحيطة بإقليم كردستان– العراق الموافقة على الاستفتاء واستعدادها للقيام بكل ما لديها من قدرات لإحباط وإجهاض أي خطوة جدية للإعلان عن قيام دولة كردية بنتيجة الاستفتاء، وهذه الدول هي العراق وتركيا وإيران وسورية، وهي جميعها مجاورة لإقليم كردستان العراق ويوجد على أراضيها أكراد يقيمون في المناطق المحاذية لإقليم كردستان مما قد يغذي ويقوي النزعة الاستقلالية لديهم.

ثانياً: استفتاء الانفصال يشكل انتهاكاً للدستور العراقي الذي ينص على مشاركة كافة فئات المجتمع في تحديد مصير الأقاليم العراقية. وهذا الاستفتاء يعتبر تحدياً جديداً للعراق بعد خروجه من أزمة تنظيم داعش ويمكن أن تضر بأمن واقتصاد العراق.

ثالثاً: بعد كل ما جرى في العراق منذ الغزو الأمريكي العام 2003 فان مشروع البرزاني للانفصال يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية وهذا هو نفسه مشروع أمريكا لإبقاء دولة العراق ضعيفة في المنطقة.

رابعاً: تحذير سكان إقليم كردستان العراق من النتائج السلبية للانفصال والتي تضر بأمن واستقرار العراق بعد “داعش”، ودعوة الانفصال قد تدخل العراق في نفق مظلم أكثر من نفق “داعش” الذي أوجد خلال السنتين الماضيتين.

خامساً: وجود رفض وازن شعبي و رسمي لإقامة مثل هذه الدولة، ناهيك عن انها لن تضم جميع الاكراد لان قسماً منهم يعارض الفكرة ولا يرغب في ان يكون جزءاً منها، والأكثر غرابة ان مرسوم قرار الاستفتاء يأتي في ظل رئاسة وسلطة غير قانونية، وفي ظل برلمان مشلول ومغتصب عن العمل بأمر لاشرعي بتاتا، وفي ظل اوضاع متأزمة يمر بها الاقليم منها أزمة الرئاسة والاعتداء على برلمان كردستان وتعطيله بأمر شخصي حزبي، وفي ظل أزمات اقتصادية ومالية ومعيشية وحياتية، وأزمات اخرى متعلقة بالفساد ونهب النفط والغاز والموارد والثروات والممتلكات العامة، وازمة تسلط عوائل حاكمة ومافيات عائدة لها وللأحزاب والمسؤولين نافذة ومتحكمة بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية بالإقليم.

إذا كانت كل هذه العوامل تؤشر إلى صعوبة أن تؤدي نتائج الاستفتاء إذا ما حصل فعلا إلى خروج الدولة الكردية إلى النور، فإن الاصرار على ذلك سوف يثير مشاكل كبرى في وجهها من الصعب تخطيها، بل سيقود إلى عواقب سلبية متعددة على اقليم كردستان، قد يكون من بينها خيار المواجهة العسكرية مع الدولة العراقية و ربما اطراف مجاورة و أخرى اقليمية و دولية، لكل منها حساباتها و مصالحها القريبة و البعيدة .

بناء على ما سلف يجب على القوى الكردية ألا تغلب العواطف القومية والجموح نحو السلطة على المصالح الحيوية للكرد ومستقبل أبنائهم، حيث ستجعلهم «الكانتونات» أشبه بمستوطنات الكيان الصهيوني.

بكل الأحوال، سيكون من المستحيل على أي كيان كردي مستقل ضمان استمراريته، حتى في حال نجاحه، ولن يكون إلا شماعة يعلق عليها كيان الاحتلال الصهيوني تواجده في المنطقة.