بعد مرور أكثر من عامين على الحرب السعودية فى اليمن تحت ما يسمى بعاصفة الحزم يبدو أن الفشل هو عنوان هذه الحرب التي تستمر في تدمير الحجر والبشر من دون أن تنجح في تحقيق أي من الأهداف التي أرادها حكام السعودية بل إن كل الوقائع تؤكد أن السعودية غرقت في مستنقع اليمن وتدفع فاتورة باهظة الثمن اقتصادياً وبشرياً.

والمتابع للمعطيات على أرض الواقع يتأكد أن السعودية وحلفائها وعلى رأسهم الإمارات التى لها أطماعاً كثيرة فى اليمن انزلقوا إلى مأزق كبير وتورطوا في حرب استنزاف من العيار الثقيل تكاد تشبه الاستنزاف الذي تعرضت له الولايات المتحدة في حروبها في فييتنام وأفغانستان والعراق وقد ظهر هذا الاستنزاف بوضوح في الإنفاق الهائل على الحرب التي لم تتوقف منذ انطلاقها منذ أكثر من عامين حيث تجبر السعودية على شراء المزيد من السلاح وتوظيف المزيد من أموال الشعب السعودي ومدخراته في هذه الحرب التى لم تحقق أي نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وقد بدأت انعكاسات هذه التكلفة المادية الباهظة للحرب السعودية تظهر في تفاقم العجز في الموازنة السعودية حيث بلغ العجز ما يقرب من 200 مليار ريال، بينما تتحدث التقارير الاقتصادية عن توقف العديد من المشاريع وإفلاس شركات وبيع حصص في مؤسسات مالية وبنكية، وتسريح عشرات الآلاف من العمال في حين تقرر الإعلان رسمياً عن فرض ضرائب على المواطنين، لم تكن موجودة سابقاً إلى جانب الاستدانة بواسطة فتح الاكتتاب بسندات الخزينة والاستعداد لبيع أسهم لمستثمرين أجانب في شركة أرامكو للنفط المملوكة للدولة وذلك لمواجهة الأزمة المالية المتفاقمة والتي يزيد من حدتها أيضاً تراجع أسعار النفط بعدما فشلت خطط الدول المنتجة للنفط في رفع سعر برميل النفط، أو تجميده عند سقف مقبول، عبر تخفيض الإنتاج.

فشل السعودية

ويؤكد المراقبون أن فشل السعودية في تحقيق أهداف الحرب علي اليمن وتورطها بحرب استنزاف طويلة ومكلفة أدى إلى إضعاف هيمنة ونفوذ الحكم السعودي على الدول الإسلامية والعربية كما أنه قد يؤدي إلى تفجير أزمة عنيفة في الداخل السعودي وبالتالى فإن السعودية ليس أمامها سوى أحد خيارين، الأول أن تعلن الانسحاب من جانب واحد من الحرب في اليمن تقليصاً لخسائرها، والثاني، أن تستمر في هذه الحرب حتى النهاية أي استعادة مدينة صنعاء، ومدن أخرى مثل تعز، وفي هذه الحالة عليها أن تنتقل إلى مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو كيفية الحفاظ على هذه المدن، وحفظ الأمن فيها، ومواجهة حرب عصابات من قبل رجال التحالف الحوثي وصالح والقبائل المتحالفة معه، وفوق هذا وذاك سيتم وصف وجودها في صنعاء بأنه «احتلال» يستدعي «المقاومة» لإنهائه فى وقت تؤكد فيه المؤشرات أن السعودية اختارت الخيار الثاني وهو الاستمرار في الحرب.
تسريع الهزيمة

ويرى المراقبون أن استمرار حكام السعودية في هذه الحرب لن يقود إلا إلى تسريع هزيمتهم وإضعاف حكمهم بل ربما انهياره ومن ثم فقد باتت الحرب في اليمن تشكل صداعاً بالنسبة للمملكة، ليس بسبب الخسائر المالية والبشرية المتفاقمة التي تسببت بها فقط وإنما أيضاً على صعيد سمعتها ومكانتها العالمية واحتمالات تعرضها لملاحقات قانونية بتهم جرائم الحرب.

ومن هذا المنطلق فإن كلمة مأزق تبدو متواضعة جداً في وصف هذا النفق السعودي المظلم باليمن الذي لا يوجد بصيص ضوء في نهايته حتى الآن والأهم من ذلك أنه يبدو نفقاً أطول بكثير مما يتوقعه الكثيرون بما في ذلك صناع القرار في المملكة ولعل هذا الأمر هو ما عبر عنه الخبير الاستراتيجي بروس ريدل الذي عمل مستشاراً سابقاً لأربعة رؤساء أمريكيين والضابط الاستخبارات السابق ومدير معهد بروكينجز الاستخباراتي حيث قال : المملكة غارقة في مأزق مكلف باليمن حيث تتغلب عليها عدوتها اللدودة إيران كما أن مجلس التعاون الخليجي بات منقسماً ومتفككاً بسببها وتزعزعت التحالفات وازدادت المعارضة للسياسات السعودية على جانبي المحيط الأطلسي.

أطماع الإمارات

ولكن المتابعين للواقع باليمن يؤكدون أن من يجني ثمار هذه الحرب هو الإمارات التي تزداد أطماعها في اليمن لتحقيق مزيد من التوسع ميدانياً حيث ترغب في السيطرة على سواحل المحيط الهندي والموانئ اليمنية وسط غياب تام للسعودية.

وقد قامت قوات الإمارات المشاركة في الحرب بتهجير عشرات الآلاف من السكان من مساكنهم واتخذت من بيوتهم مقرات لها، ومن بلداتهم ومناطقهم الاستراتيجية قواعد عسكرية وموانئ ومطارات كما استغلت الإمارات انشغال السعودية بوضعها الداخلي والمعارك في حدودها مع ميليشيا الحوثي والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لتبسط سيطرتها وتتمدد لتكون صاحبة النفوذ الأقوى مستقبلاً، فأقامت قاعدة عسكرية في جزيرة ميون بدون علم الحكومة لتسيطر على كامل الجزيرة.

قواعد عسكرية

كما قام الإماراتيون بتحويل بلدة ذو باب القريبة من باب المندب إلى قاعدة عسكرية يتحكمون فيها بالكامل، وقاموا بتهجير جميع سكان البلدة البالغ عددهم نحو عشرة آلاف مواطن وتم نقلهم إلى خيام في منطقة صحراوية وفي ظروف قاسية وقاموا بتحويل مساكنهم إلى ثكنات عسكرية.

كما قامت الإمارات بتحويل ميناء المخا إلى قاعدة عسكرية لهم ووضعوا فيها نحو أربعمائة من قواتهم ومنعوا اليمنيين من الاقتراب منها وأصبح الميناء حكراً عليهم تصل إليه سفنهم الحربية وإمداداتهم العسكرية ونتيجة لهذا الوضع، تمنع القوات الإماراتية صيد الأسماك – الذي يعتبر مصدر رزق معظم السكان- على طول الشريط الساحلي من باب المندب وحتى ميناء المخا حيث لا يجرؤ أحداً في هذه المنطقة على انتقاد الإماراتيين أو انتقاد الأوضاع السائدة بالمنطقة، ومن يفعل ذلك يختطف ويتم التحقيق معه وينقل إلى عدن حيث تمتلك الإمارات وقوات تابعة لها سجوناً سرية.

كوارث إنسانية

وقد باتت السعودية والإمارات هما المسؤولان عن ما حل باليمن من كوارث إنسانية تثقل كاهل الشعب اليمني فضلاً عن تفشي مرض الكوليرا في 21 من أصل 22 محافظة في اليمن وسجلت أكثر من ربع مليون حالة أما المعارك، فبالكاد تغير وضع الجبهات.

في الوقت نفسه فإن التحركات الإماراتية في محافظة المهرة شرق اليمن تثير مخاوف لدى السلطات العُمانية التي تعتبر هذه المحافظة جزءاً من مجالها الحيوي وفي محاولة غير مباشرة لتنبيه أبو ظبي إلى حساسية المهرة وضرورة إبقائها خارج دائرة التنازع، أقدمت مسقط على جملة خطوات سياسية لا يُستبعد أن تتصاعد في المرحلة المقبلة.

الاحتياطات الخارجية

كشفت بعض التقارير المتداولة مؤخراً أن الاقتصاد السعودي مقبل على واحدة من أحلك فتراته مع استمرار تراجع أسعار النفط منذ منتصف 2014، وهو ما يتوقع معه محللون اقتصاديون أن تسجل السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، عجزاً قياسياً في الموازنة.

ولتغطية هذا العجز لجأت الحكومة لسحب أكثر من 80 مليار دولار من الاحتياطات الخارجية منذ أغسطس، وفي خطوة لاحقة خاطبت سلطات المملكة بنوك محلية لإصدار سندات بقيمة 20 مليار ريال سعودي (5.33 مليار دولار) لتمويل عجز الموازنة. كما نقلت صحيفة «مال» الإلكترونية يوم الاثنين الماضي نقلاً عن مصادر مطلعة.

ترشيد الإنفاق

ونقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن وزارة المالية السعودية أصدرت تعليمات للجهات الحكومية لإعادة ما لم تنفقه من أموال مخصصة لمشاريعها في ميزانية هذا العام وذلك في إطار سعيها لترشيد الإنفاق في ظل هبوط أسعار النفط.

والأكثر من ذلك أن صحيفة «الغارديان» البريطانية نشرت مؤخراً ما قالت إنه مضمون رسالة سرية بعث بها العاهل السعودي الملك سلمان إلى وزير المالية في سبتمبر الماضي. وتنص الرسالة على ضرورة اتخاذ إجراءات تقشفية لتقليص الإنفاق الحكومي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من ميزانية العام الحالي، من بينها إيقاف جميع مشاريع البنى التحتية الجديدة، ووقف شراء أي سيارات أو أثاث أو تجهيزات أخرى، بالإضافة إلى إجراءات أخرى.

السعودية تعلن “بالتقسيط” مصرع 50 عسكريا بمعارك الحد الجنوبي

وفي ذات السياق اعترفت وكالة الأنباء السعودية، “واس” أمس الاثنين بمصرع الجندي سعيد عبد الله الشهراني من منتسبي القوات البرية في الحد الجنوبي. وأن الإعلان الرسمي هذا جاء بعد مصرع الجندي علي بن أحمد هروبي أحد منتسبي القوات السعودية بعد أقل من 24 ساعة من إعلانها مقتل ضابطين من منتسبي القوات البرية في مواجهات مع وحدات الجيش اليمني واللجان في الحد الجنوبي.

وبمقتل الجندي سعيد الشهراني يرتفع عدد قتلى الجيش السعودي بشكل رسمي في جبهات العدوان على اليمن إلى 50 عسكرياً منذ 10 مايو الفائت، فيما اعتبرت مصادر عسكرية يمنية هذا الرقم اعترافا مؤقتا كحصيلة أولية لقتلى الجيش السعودي في الهجمات الأخيرة.

وأكدت المصادر العسكرية اليمنية أن السعودية تعترف بقتلاها وخسائرها على طريقة الاعتراف بالتقسيط وأن العدد أضعاف أضعاف ذلك المعلن عنه.

سياسة تقشفية

ومن جانبها نشرت صحيفة «رأي اليوم» نقلاً عن مصادر خليجية أن الملك سلمان بدأ في إطلاق إجراءات تقشفية واسعة في مختلف القطاعات بسبب ارتفاع العجز في الميزانية الناجم عن تراجع عائدات النفط. وذكرت الصحيفة أن هذه السياسة التقشفية ستشمل تخفيض الدعم للمحروقات والكهرباء والماء وبعض السلع الأساسية الأخرى وربما إلغائه كلياً، بالإضافة إلى دراسة إمكانية فرض ضرائب على الدخل والتحويلات الخارجية بالنسبة للأجانب وزيادة بعض الرسوم على تجديد الإقامات ورخص القيادة والخدمات البيروقراطية الرسمية الأخرى.

إخفاقات

رغم دفع هذه المبالغ الباهظة إلا أن السعودية لم تستطع تحقيق شيء من أهدافها. وهو الأمر الذي زاد عليها التكلفة بالمجمل.

فلم يسجل للسعودية تحقيق أي إنجازٍ عسكريٍ أو سياسي في حربها على اليمن. لكنها أيضاً أدخلت نفسها في أزمةٍ مالية واقتصادية، بسبب تكاليف الحرب العالية، وهو ما أصبح يؤثر عليها بشكلٍ كبير. مما أدى بالنتيجة إلى خسارتها ليس فقط على الصعيد الدبلوماسي والسياسي والعسكري، بل أيضاً على الصعيد الاقتصادي. وهو ما أدّى بشكلٍ غير مباشر إلى انتشار تهديدات الحرب على اليمن بأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية، في المنطقة بأكملها لا سيما الدول الخليجية.

وهو الأمر الذي جعل السعودية العارفة بإخفاقاتها تعاني من أزمة الخروج من الحرب دون انتصارات، مما سيجعلها تفقد الكثير على الصعيد الإقليمي والدولي. فالسعودية ومنذ بداية الحرب وضعت عدداً من الأهداف العسكرية والسياسية، والتي يعرف الجميع أنها لم تحقق شيئاً منها، بل خسرت في تأييد عددٍ من الدول لها وجعلت من نفسها كدولة مجرمة حربٍ وفق المعايير الدولية كلها. مما أغرقها في مشكلة إيجاد طريقة للخروج من ورطتها أصبحت أصعب بكثير.

ولأن القرار بالحرب مستمر رغم عدم تحقيق الإنجازات زادت على التكلفة المعنوية للحرب التكلفة المادية التي تعني إنفاقاً كبيراً على المعلومات والتكنولوجيا والأسلحة المتطورة، في ظل عجزٍ كبير على الصعيد المالي وتحديات اقتصادية تواجه العديد من الدول المشاركة في الحرب لا سيما السعودية.