بقلم: محمد علُّوش

ونحن على أبواب العام الجديد تتكشَّف لنا الأمور كم كانت اللعبة قذرة ضدَّ الشعوب العربية!، إسرائيل شهدت خلال عام واحد أكبر موجة هجرة يهودية إلى أراضيها، خلال الأعوام 12 الأخيرة، حيث تجاوز عدد اليهود الوافدين إليها 30 ألف شخص.

عقب أحداث شارلي أيبدو (Charlie Hebdo) الفرنسية مطلع العام 2015 مباشرة توجَّه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى باريس للمشاركة في الحشد الدولي لنبذ الإرهاب ومكافحة التطرف إلى جانب العديد من قادة الدول.

اجتهد نتنياهو أن يكون في مقدمة الرؤساء في التظاهرة التي نُظِّمت، قيل يومها إن الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند لم يوجه دعوة لنتنياهو للمشاركة في المسيرة الباريسية أو على الأقل لم يكن مرتاحاً لوجوده، ولا سيما أن إسرائيل متهمة (بلهجة دبلوماسية محببة للغرب) بأنها تمارس “قسوة ملحوظة” في تعاملها مع الفلسطينيين.

وقد ذكرت القناة الثانية الإسرائيلية يومها أن “فرنسا طلبت من نتنياهو عدم الحضور إلى باريس لأن الرئيس أولاند رغب في أن تكون المسيرة تضامنية بصورة كاملة مع بلاده، وألا تتحول إلى منصة لطرح مواضيع خلافية على شاكلة العلاقات بين اليهود والمسلمين والصراع الإسرائيلي الفلسطيني”.

حِرصُ نتنياهو يومها على المشاركة آتى أكله من خلال توجيهه نداء إلى يهود فرنسا تحديداً وأوروبا عامة دعاهم فيه للهجرة إلى إسرائيل، فأوروبا معرضة لاضطرابات أمنية والإرهاب الإسلامي يستهدفها، تصريحات كانت كافية لاستهجان قصر الإليزيه ورفض تصريحاته واعتبارها مهينة لفرنسا ومواطنيها، لكن نتنياهو نجح من حيث فشل أولاند.

وفي الوقت الذي كان يشجع نتنياهو اليهود الأوروبيين على الهجرة إلى فلسطين المحتلة كانت الدعاية الصهيونية تعمل دون كلل، أحد أذرعها، وهي “وزارة الهجرة”، وضعت إعلاناً على موقعها الإلكتروني تتعهد فيه حكومة تل أبيب بدفع مبلغ 9 آلاف دولار لكل زوجين يهاجران إليها، بينما سيتم تقديم مساعدات للعزاب بمقدار 4 آلاف و750 دولاراً، كما تضمَّنت لائحة الوزارة وعوداً بتأمين السكن والعمل وفرص التعليم للمهاجرين الجدد.

ضرب تنظيما داعش والقاعدة في الجزيرة العربية في عدة أماكن في فرنسا فاستفادت إسرائيل، تماماً كما استفادت حين انهار الأمن في أوكرانيا ومن قبلها في دول الاتحاد السوفياتي، وها هي لا تزال تحصد ما تزرعه الحروب الأهلية والطائفية في المنطقة.

ونحن على أبواب العام الجديد تتكشف لنا الأمور كم كانت اللعبة قذرة ضدَّ الشعوب العربية!، إسرائيل شهدت خلال عام واحد أكبر موجة هجرة يهودية إلى أراضيها، خلال الأعوام 12 الأخيرة، حيث تجاوز عدد اليهود الوافدين إليها 30 ألف شخص، أعمار أكثر من نصفهم دون الثلاثين عاماً في هجرة شهدت ارتفاعاً بنسبة 50 في المئة خلال العامين المنصرمين مقارنة بمعدل الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قبل 2014 والذي كان يتراوح عند حدود 20 ألف مهاجر في العام الواحد.

وفي التفاصيل، إسرائيل استقبلت خلال عام 2015 نحو 8 آلاف مهاجر يهودي من فرنسا وأقل منه بألف تقريباً من أوكرانيا في حين كانت حصة روسيا 6 آلاف و600 مهاجر يهودي، وشكل يهود شرق القارة الأوروبية غالبية المهاجرين إلى إسرائيل إذ بلغ عددهم خلال عام 2015 قرابة 15 ألفاً، فيما وصل عدد اليهود الوافدين إلى تل أبيب من دول أوروبا الغربية 9 آلاف و330 مهاجراً خلال العام نفسه، كما استقبلت إسرائيل مهاجرين من الولايات المتحدة الأميركية وكندا بحسب بيان مشترك للوكالة اليهودية ووزارة الهجرة الإسرائيلية.

وتؤكِّد الدراسات أن الحكومة الإسرائيلية وفقاً لمخططاتها الاستيطانية تقوم بإسكان قسم كبير من هؤلاء المهاجرين في المناطق الفلسطينية المحتلة، ونتيجة لسياسة الاستيطان المُتّبعة هذه فقد وصل عدد المستوطنين في القدس الشرقية إلى 200 ألف، فيما تجاوز عددهم 400 ألف في الضفة الغربية، في المقابل تعرَّض أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى الهجرة القسرية عقب إعلان “الدولة الإسرائيلية” على الأراضي الفلسطينية عام 1948 واتِّباع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة التهجير المتعمد بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 1950.

الصورة الأخرى المعاكسة والتي تزيد من مرارة الأحداث ما أعلنت عنه المفوَّضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال الأسبوع الأخير من العام 2015 من أن أعداد اللاجئين العرب الواصلين إلى أوروبا عبر البحر فقط تجاوز المليون لاجئ، في حين غرق ثلاثة آلاف و735 شخصاً في مياه البحر العام الحالي، وقد زادت أعداد اللاجئين الواصلين أوروبا عام 2015 خمسة أضعاف مقارنة بالعام الفائت، وتصدَّر السوريون القائمة، تلاهم القادمون من أفغانستان والعراق وفق البيان الصادر عن المفوضية العليا التي أكَّدت أن 84% من اللاجئين الواصلين إلى أوروبا قدموا من سورية وأن عدد اللاجئين الذي وصلوا اليونان عبر بحر إيجه تجاوز 844 ألف لاجئ، فضلاً عن وصول أكثر من 152 ألف لاجئ إلى إيطاليا وثلاثة آلاف إلى إسبانيا عبر البحر المتوسط.

بالمقارنة بين الصورتين السابقتين نجد أن عام 2015 كان زاهراً لإسرائيل التي نجحت بجدارة في عزل نفسها تماماً عن أزمات المنطقة، رغم أنها متورطة حتى أذنيها في افتعال الأزمات أو تغذيتها في عدد من الدول العربية، لقد استفادت من كل الحروب التي لم تخضها، كما أنها الدولة الوحيدة التي تجنَّبت تداعيات الحروب من حولها، أمَّا العرب فهم يدفعون فواتير حروبهم وحروب غيرهم على أرضهم.

المصدر: الميادين