علاقة متوترة تجمع الفصائل الآتية من ريف دمشق وفصائل «جيش الفتح» في إدلب. فخلال وقت قصير من وصول مئات المسلحين مع عائلاتهم إلى المدينة وريفها، أصبح العديدون منهم يتطلّعون إلى الهرب باتجاه تركيا، ويتحفّظون على المشاركة في جبهات القتال مع «الفتح» بعد تعرضهم للذل والإهمال

لم تتوقع الفصائل المسلحة المنسحبة من ريف دمشق أن تلقى معاملة سيئة من فصائل «جيش الفتح». الأخيرة استقبلت القسم الأكبر من المنسحبين في مخيمات بحجة أن لا أماكن تتسع لهم، وطلبت من بعضهم الالتحاق بمعسكرات تدريبية، لزجّهم على خطوط المواجهة في سهل الغاب وريف اللاذقية، بعد فصلهم عن عائلاتهم لعدم توافر أماكن لإسكان كل الرجال مع نسائهم على نحو منفرد.

بداية الخلافات كانت مع فصائل داريا، التي واجهت معارضة شديدة من «جبهة فتح الشام» لإعادة تسليحها من الجانب التركي، إذ جرت مصادرة كميات من السلاح والذخيرة التي وصلتها من قطر عن طريق تركيا، في 15 تشرين الثاني، واعتقلت «فتح الشام» 15 عنصراً منهم، قبل أن يفرج عنهم بوساطة أجراها «قاضي جيش الفتح» السعودي عبد الله المحيسني.
وكشف مصدر من أهالي مدينة سلقين غربي إدلب، أن مشادّات كلامية تكرّرت بين بعض مسلحي داريا وعناصر «فتح الشام»، تخللها توجيه اتهامات بالتخوين و«تسليم داريا» للجيش السوري من دون مقاومة، ومحاولة الهروب إلى تركيا. وأشار المصدر إلى أن الخلافات تفاقمت في مطلع الشهر الجاري، بعدما تعرض بعض مسلحي داريا لمضايقات بعض مسلحي سلقين المحليين، الذين طلبوا منهم إخلاء منازلهم بذريعة عدم دفعهم الإيجار، موضحاً أن «إقامة المسلحين في تلك المنازل كانت من دون مقابل، ولكن كثرة مشاكلهم وتذمّرهم دفعت مسلحي البلدة إلى محاولة (تطفيشهم)».
كذلك في مدينة ادلب، تعرض مسلحو داريا لمضايقات عديدة من بعض دوريات «القوة التنفيذية لجيش الفتح»، لوجودهم في تجمعات بمعزل عن بقية الفصائل المنتشرة في المدينة وعدم مشاركتهم في جبهات فصائل «جيش الفتح» المواجهة للجيش السوري في ريف حلب الجنوبي. وقال مصدر مقرب من «القوة التنفيذية» في إدلب، في حديث إلى «الأخبار»، إن الفصائل «مشحونة على نحو كبير من تذمر مسلحي داريا المتواصل على الخدمات التي يجري تأمينها لهم، حيث جرى إسكانهم في مدرسة إحسان مبيض في حي الثورة بالمدينة والبعض منهم جرى تأمينه في بلدة سرمين».
ونقل المصدر أحد ردود مسلحي داريا لدى طلب دورية لـ«جيش الفتح» بطاقاتهم الشخصية، إذ قالوا: «نحنا ما تركنا بيوتنا لو ما تحاصرنا وتركتونا 4 سنين بدون دعم لتذلونا، ونحن معروف شو عملنا ليش بدكن هوياتنا»، مشيراً إلى أن الأمر كاد أن يتطور إلى اشتباك بالسلاح، لولا تدخل قيادي تونسي من «جبهة فتح الشام» يُكنى بـ«الشيخ أبو الصادق» الذي طلب من الطرفين فض الخلاف.

وأكد المصدر أن المدينة تشهد أوضاعاً أمنية متوترة، جراء سماع أصوات إطلاق نار على نحو متكرّر ليلاً، مصدره مناطق إقامة مسلحي داريا وقدسيا، في محاولة منهم للتعبير عن غضبهم من سوء معاملة «المجلس المحلي لمدينة ادلب» لهم. وكان «المجلس» قد أعلن أخيراً، في بيان مشترك مع «مجلس محافظة إدلب»، «تعذّر استقبال المزيد من المهجرين من مختلف المناطق المحاصرة، لتدهور الاوضاع الاقتصادية، حيث تواجه الإدارات المدنية بعض الصعوبات في تنظيمهم واستيعابهم وتأمين المستلزمات لهم».
وبعد انتشار الأخبار عن محاولة خروج مسلحي داريا نحو تركيا، تعرّض العديد ممن قياداتهم لمحاولات اغتيال، ويوضح المصدر المقرب من «القوة التنفيذية»، أنهم «جنّدوا بعض مقاتليهم لحمايتهم في أماكن إقامتهم»، مشيراً إلى أن «اجتماعات متكررة عقدت بين القياديين و(اللجنة الأمنية لجيش الفتح) لايجاد حل يوقف التهديد الذي يتعرض له مسلحو الغوطة الغربية». ومن جانبها «أكّدت (اللجنة الأمنية) أن لا دخل لها بالإساءات التي يتعرضون لها»، وطالبتهم بـ«الانخراط في المعسكرات بدلاً من الجلوس في أماكنهم». وكانت قد وردت «شكاوى عديدة إلى (القوة التنفيذية لجيش الفتح) من مقاتلين محليين في إدلب، عن مشاكل افتعلها مسلحو الغوطة الغربية (داريا ــ المعضمية) على أفران الخبز وأماكن توزيع المساعدات، بحجة أن الأولوية يجب أن تكون لهم تعويضاً عن المعاناة التي عاشوها خلال سنوات الحصار»، وفق المصدر. وتطوّرت الخلافات مع وصول دفعة جديدة من المسلحين الخارجين من منطقتي خان الشيح والتل في محيط دمشق، الذين وجدوا أنفسهم في مخيمات منفصلة عن عائلاتهم لعدم توافر أماكن لإقامتهم معاً.
ونشر ناشطون تسجيلاً مصوراً يوضح حالة المخيمات التي نقل إليها هؤلاء قرب الحدود السورية ــ التركية قرب بلدات حارم وسرمدا والقاح. وظهر في التسجيل أحدُ مسلحي «جيش الفتح» يعلّق على خروج مسلحي خان الشيح والتل بالقول: «لا أهلا ولا سهلا، لا أعرف كيف أصفكم، في أقل من 10 أيام من الضغط سلّمتم أسلحتكم، وهانت عليكم دماء شهدائنا».
وأفاد مصدر من سكان مدينة إدلب «الأخبار» بأن «المجلس المحلي لمحافظة إدلب التابع لـ«جيش الفتح» رفض استقبال مسلحي خان الشيح والتل لعدم توافر أماكن لهم”، مشيراً إلى حصول اشتباكات بالأيدي بين الجهة المنظمة لاستقبال المسلحين وبعض مقاتلي خان الشيح، عند مدخل المدينة الشرقي، حيث أُجبروا على تقبل الأمر لحين توافر منازل لهم.
وعلمت «الأخبار» من مصادر أهلية في سرمدا وسلقين، عن وجود حركة نشطة لتهريب مقاتلي الغوطة الغربية وعائلاتهم إلى تركيا، مقابل مبلغ 700 دولار للشخص الواحد، و300 دولار على كل طفل. وتجري عمليات التهريب بالتعاون مع «الجاندرما» التركية عن طريق مجموعات تابعة لـ«أحرار الشام»، التي تسيطر على جميع المعابر الحدودية في ريف ادلب، حيث شهدت الحدود عبور العشرات من مقاتلي الغوطة الغربية وعائلاتهم إلى داخل الأراضي التركية، في وقت تشهد فيه الحدود إجراءات صارمة من قبل الجانب التركي، بعد صدور قرار يقضي بإعلانه منطقة عسكرية يمنع الاقتراب منها». ولفتت المصادر إلى أن «التهريب مقابل الدفع للجاندرما التركية لم يتوقف، ولكن بصعوبة اذا حصل تغيير في الدوريات»، إذ قتل حرس الحدود التركي، حوالى 15 شخصاً في الخامس من الشهر الجاري، خلال محاولتهم عبور الحدود من جهة حارم شمال إدلب.
وأكدت المصادر أن العديد من مسلحي خان الشيح والتل يبحثون عن طرق يدخلون فيها تركيا مع عائلاتهم، غير أنهم لا يملكون الأموال الكافية لذلك، مشيرة إلى أن القتال إلى جانب بقية الفصائل لم يعد هدف الكثير منهم، بعد الذلّ الذي تعرضوا له من جانب «جيش الفتح».

سائر اسليم||الأخبار