محمد عباس|| خاص المحاور

ما أغلى البضاعة التي يقدمها، وما أرخص الأجر الذي يتقاضاه، ما أقدس المهمة الموكلة إليه وما أهون مرتبة تصنيفه في المجتمع، مطلوب منه أن يصقل الألماس، فبين يديه أحجار كريمة عليه أن يقدمها للمجتمع براقة تعكس أشعة قوس قزح لتغمر الأفق بكل ألوان الطيف النقية كأجيال تتسلح بالعلم والأخلاق تدخل السرور لكل بيت وكل أسرة، تنتظر نجاح أبنائها بفارغ الصبر وتفرح بتفوقهم فرحة العمر، وتمد الوطن بكل مقومات النجاح والتطور والقوة وترفد المؤسسات بالكوادر الخبيرة المخلصة الأمينة، كل هذا الدور المقدس والخطير عليه أن ينجزه ذالك المتواضع في قناعته الصابر على ضيق المسكن وذات اليد وشظف العيش وقليل من التقدير وكثيرا من نكران الجميل، ليعود صاحب هذه المهنة المقدسة لينام في العشوائيات بعد أن يجول على صالات الخضار والفواكه علها تكون أرخص سعراً.

ولكنه يفاجئ بالعجيب الغريب والتسعيرة الخرقاء التي تساوي بين جودة البضاعة التي تباع في أول النهار وما يتبقى منها لآخره لحظة انصرافه، فيقتصد بالكمية والنوعيه ويعود إلى بيته وهاجسه طوال الطريق، كيف يبرر لأولاده أن كثيراً مما طلبوه لم يتمكن من شرائه لأن ضيق الراتب لا يتسع لما هو فوق الضروريات.

إنه المعلم الذي درج في المجتمع مقولة فلان معلم مدرسة الله يعينو يادوب بيقدر بأمن لقمة الخبز لأولاده.. إنه يستحق الشفقة.

وما أقسى الضرورة التي تدفع برب الأسرة هذا ليفتش عن عمل آخر لا يتناسب مع مقامه كمعلم ومربي أجيال وخاصة ضمن بيئته وحيث يتواجد طلابه وإليكم مثال على ذلك (معلم في مدارس أحد أحياء دمشق أجبرته ظروفه القاسية ومحدودية راتبه أن يبيع التماري على عربة متهالكه هي عباره عن سرير أطفال قديم وجده قرب أحد الحاويات فشده ببعض الأسلاك وتوكل على الله، وبينما كان ينادي تماري تماري فإذا بمجموعة من الفتيان يتبادلون النكات والتدافع فيما بينهم يقتربون منه: “هات أستاذ هات تماري من بين إيديك هالوسخة” وإذا بهم مجموعة من طلابه وبعد أن دفعوا ثمن التماري وهم يتبادلون التعليقات التي تتجاوز قلة الأدب لتصل إلى الأعتداء، وعندما أعاد لهم بقية الحساب نثرها أحدهم على الأرض وقال: “أستاذ هذه هدية مني.. وسأهديك في عيد المعلم قريبا شحاطة على كيفك”، وانصرفوا غير مؤدبين إلا أحدهم، وقف غير بعيد مذهولا بما جرى ثم انصرف، وجلس المعلم المسكين على الرصيف يتكأ برأسه على ركبتيه لساعات، لم يعد يأبه بالتماري وماحل بها.

وفي اليوم التالي دخل المعلم الصف ودخل تلميذه الذي أساء إليه بالأمس متأخراً، لم يتحمل المعلم وجوده فقال له أخرج راجع الموجه فخرج ودون الرجوع للموجه، اتصل بوالده وادعى أن المعلم ضربه وطرده من الصف وحضر الوالد مسرعاً يفتش عن المعلم دون الرجوع الى الموجه وانتهره قائلاً: “أنت بتطلع من الصف مو إبني”، حضر المفتش يستطلع الخبر وبدأ الجميع يفتشون عن ندبة في جسد الطالب قد تكون أثراً لما أحدثه العنف الذي مارسه المعلم، ولم يخلو الموضوع من وجود أثر إحمرار لم يعرف مصدره، وصعد الأب لهجته وهو يخاطب المعلم بشيئ من التهديد وكذلك فعل الموجه: “كم قلنا لكم أن الضرب ممنوع وأننا لا نستطيع حمايتكم عندما تخالفون القانون”، وتاه المعلم المسكين في غيبوبة زهول لم يدر بماذا يجيب أيقسم فلن يصدقوه.

فملامح الفقر مرسومة على وجهه وملامح الغنى والمسؤلية موسومة على لباس الأب وسيارته الفارهة المركونة تكاد تغلق الباب الرئيسي للمدرسة، وبشيئ من اللباقة تلطف الموجه مع الطرفين وجمعهما في غرفة مجاورة، وروى المعلم ماتعرض له بالأمس من الطالب وزملائه وتبين أن الندبة هي من جراء التراشق بالحجارة بينه وبين رفاقه، وخرج الأب من الغرفة بقليل من التواضع ليقول لأبنه: “روح على صفك وللمعلم أستاذ لاتعيدا”، عندها ربت الموجه على كتف المعلم لا نستطيع مساعدتك أكثر من ذلك إنه القانون يعتني بالجسم ولا يأبه بالعلم، وعاد المعلم إلى صفه وهو يردد حقاً إن الفقر في الوطن غربه وإن العلم أرخص بضاعة!

والمطلوب:

1- إعادة ترسيخ هيبة المعلم في نفوس طلابه من حيث إدراجها كثقافة أساسية في كل مناهج التربية

2- تأمين الحياة الكريمة مادياً للمعلم

3- إعادة صلاحية المعلم بالعقوبة الرادعة غير المؤذية

4- عدم الميل للتسرع من قبل المدرسة لتصديق رواية الطالب تحت أي ظرف كان

5- لا يحق لأي كان أن يقتحم المدرسة ليواجه المعلم بروايته فهذا شأن  الإدارة

6- إعادة النظر بطريقة الهدايا في عيد المعلم ففيها كثيرا من الإحراج للأهل والمساس بهيبة المعلم، وليس المطلوب إلغاؤها وإنما ترشيدها

7- أن تعتبرألإسائة للمعلم من قبل الطالب أو ذويه داخل المدرسة أوخارجها كالإساءة لأي موظف حكومي يعمل خلف مكتبه .

وختاماً.. أعيدوا للمعلم هيبته وللتعليم قدسيته، فقد شاع مؤخراً حدوث تطاول الطالب على المعلم أكثر من حدوث العكس، حتى أن بعضاً من العاملين في التعليم ركنوا إلى الكثير من الإهمال بمهامهم بدل التشدد في متابعتها واتباع الحزم للوصول للنتائج الأفضل، وكل عام والمعلم الذي كاد أن يكون رسولاً بخير